[ 578 ] مهيبا في أنفس الناس، مظفرا على الاعداء، وكان مع ذلك عظيم النهمة (1) في شهوات الدنيا ولذاتها وملاهيها، مؤثرا لهواه، مطيعا له، وكان أحب الناس إليه وانصحهم له في نفسه من زين له حاله وحسن رأيه، وابغض الناس واغشيهم له في نفسه من امره بغيرها وترك امره فيها،، وكان قد أصاب الملك فيها في حداثة سنة وعنفوان شبابه وكان له رأي أصيل ولسان بليغ ومعرفة بتدبير الناس، وضبطهم، فعرف الناس ذلك منه فانقادوا له، وخضع له كل صعب وذلول، واجتمع له سكر الشباب وسكر السلطان، والشهوة والعجب، ثم قوى ذلك ما أصاب من الظفر على من ناصبه والقهر لاهل مملكته، وانقياد الناس له، فاستطال على الناس واحتقرهم، ثم ازداد عجبا برأيه ونفسه لما مدحه الناس وزينوا أمره عنده، فكان لاهمة له إلا الدنيا وكانت الدنيا له مؤاتية، لا يريد منها شيئا إلا ناله، غير أنه كان مئناثا (2) لا يولد له ذكر، وقد كان الدين فشا في أرضه قبل ملكه، وكثر أهله، فزين له الشيطان عداوة الدين وأهله وأضر بأهل الدين فأقصاهم مخافة على ملكه، وقرب أهل الاوثان، وصنع لهم أصناما من ذهب وفضة، وفضلهم وشرفهم، وسجد لا صنامهم. فلما رأى الناس ذلك منه سارعوا إلى عبادة الاوثان والاستخفاف بأهل الدين، ثم إن الملك سأل يوما عن رجل من أهل بلاده كانت له منه منزلة حسنة ومكانة رفيعة وكان أراد ليستعين به على بعض اموره ويحبه ويكرمه، فقيل له: أيها الملك أنه قد خلع الدنيا وخلا منها ولحق بالنساك فثقل ذلك على الملك، وشق عليه، ثم إنه أرسل إليه فأتي به، فلما نظر إليه في زي النساك وتخشعهم زبره وشتمه (3) ________________________________________ (1) النهمة - بفتح النون - بلوغ الهمة والشهوة في الشئ ويقال: له في هذا الامر نهمة أي شهوة. (2) المئناث: التى اعتادت أن تلد الاناث وكذلك الرجل لانهما يستويان في مفعال. ويقابله المذكار وهى التى تلد الذكور كثيرا. (3) النساك: العباد. وزبره أي زجره. (*) ________________________________________