/صفحة 121 / واعتبر القرب أيضا وصفا للعباد في مرحلة العبودية ولما كان أمرا اكتسابيا يستعمل فيه لفظ التقرب فالعبد يتقرب بصالح العمل إلى الله سبحانه وهو وقوعه في معرض شمول الرحمة الالهية بزوال أسباب الشقاء والحرمان، والله سبحانه يقرب العبد بمعنى إنزاله منزلة يختص بنيل ما لا يناله من دونه من إكرامه تعالى ومغفرتة ورحمته، قال تعالى: " كتاب مرقوم يشهده المقربون " المطففين: 21، وقال: " ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون " المطففين: 28. فالمقربون هم النمط الاعلى من أهل السعادة كما يشير إليه قوله: " والسابقون السابقون اولئك المقربون " ولا يتم ذلك إلا بكمال العبودية كما قال: " لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون " النساء: 172، ولا تكمل العبودية إلا بأن يكون العبد تبعا محضا في إرادته وعمله لمولاه لا يريد ولا يعمل إلا ما يريده وهذا هو الدخول تحت ولاية الله فهؤلاء هم أولياء الله. وقوله: " في جنات النعيم " أي كل واحد منهم في جنة النعيم فالكل في جنات النعيم، ويمكن أن يراد به أن كلا منهم في جنات النعيم لكن يبعده قوله في آخر السورة: " فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم ". وقد تقدم غير مرة أن النعيم هي الولاية وأن جنة النعيم هي جنة الولاية وهو المناسب لما تقدم آنفا أن المقربين هم أهل ولاية الله. قوله تعالى: " ثلة من الاولين وقليل من الآخرين " الثلة - على ما قيل - الجماعة الكثيرة، والمراد بالاولين الامم الماضون للانبياء السابقين، وبالآخرين هذه الامة على ما هو المعهود من كلامه تعالى في كل موضع ذكر فيه الاولين والآخرين معا ومنها ما سيأتي من قوله: " ءإنا لمبعوثون أو آباؤنا الاولون قل إن الاولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم " فمعنى الآيتين: هم أي المقربون جماعة كثيرة من الامم الماضين وقليل من هذه الامة. وبما تقدم يظهر أن قول بعضهم: أن المراد بالاولين والآخرين أولوا هذه الامة وآخروها غير سديد. قوله تعالى: " على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين " الوضن النسج وقيل: نسج الدرع إطلاقه على نسج السرر استعارة يراد بها إحكام نسجها. وقوله: " متكئين عليها " حال من الضمير العائد إلى المقربين والضمير للسرر، وقوله: