وجملة ( كذلك يجزي الله المتقين ) مستأنفة والإتيان باسم الإشارة لتمييز الجزاء والتنويه به . وجعل الجزاء لتمييزه وكماله بحيث يشبه به جزاء المتقين . والتقدير : يجزي الله المتقين جزاء كذلك الجزاء الذي علمتموه . وهو تذييل لأن التعريف في ( المتقين ) للعموم .
( الذين تتوفيهم الملائكة طيبين يقولون سلم عليكم ادخلوا الجنة كنتم تعملون [ 32 ] ) مقابل قوله في أضدادهم ( الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ) فما قيل في مقابلة يقال فيه .
وقرأ الجمهور ( تتوفاهم ) بفوقتين مثل نظيره . وقرأه حمزة وخلف بتحية أولى كذلك .
والطيب : بزنة فيعل مثل قيم وميت وهو مبالغة في الاتصاف بالطيب وهو حسن الرائحة . ويطلق على محاسن الأخلاق وكمال النفس على وجه المجاز المشهور فتوصف به المحسوسات كقوله تعالى ( حلالا طيبا ) والمعاني والنفسيات كقوله تعالى ( سلام عليكم طبتم ) . وقولهم : طبت نفسا . ومنه قوله تعالى ( والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه ) . وفي الحديث " إن الله طيب لا يقبل ألا طيبا " أي مالا طيبا حلالا . فقوله تعالى هنا ( طيبين ) يجمع كل هذه المعاني أي تتوفاهم الملائكة منزهين من الشرك مطمئني النفوس . وهذا مقابل قوله في أضدادهم ( الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ) .
A E وجملة ( يقولون سلام عليكم ) حال من ( الملائكة ) وهي حال مقارنة ل ( تتوفاهم ) أي يتوفونهم مسلمين عليهم وهو سلام تأنيس وإكرام حين مجيئهم ليتوفوهم لأن فعل ( تتوفاهم ) يبتدئ من وقت حلول الملائكة إلى أن تنتزع الأرواح وهي حصة قصيرة .
وقولهم ( ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ) وهو مقابل قولهم لأضدادهم ( إن الله عليم بما كنتم تعملون فادخلوا أبواب جهنم ) . والقول في الأمر بالدخول للجنة حين التوفي كالقول في ضده المتقدم آنفا . وهو هنا نعيم المكاشفة .
( هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون [ 33 ] فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون [ 34 ] ) استئناف بياني ناشئ عن جملة ( قد مكر الذين من قبلهم ) لأنها تثير سؤال من يسأل عن إبان حلول العذاب على هؤلاء كما حل بالذين من قبلهم فقيل : ما ينظرون إلا أحد أمرين هما مجيء الملائكة لقبض أرواحهم فيحق عليهم الوعيد المتقدم أو أن يأتي أمر الله . والمراد به الاستئصال المعرض بالتهديد في قوله ( فأتى الله بنيانهم من القواعد ) .
والاستفهام إنكاري في معنى النفي ولذلك جاء بعد الاستثناء .
و ( ينظرون ) هنا بمعنى الانتظار وهو النظرة . والكلام موجه إلى النبي A تذكيرا بتحقيق الوعيد وعدم استبطائه وتعريضا بالمشركين بالتحذير من اغترارهم بتأخر الوعيد وحثا لهم على المبادرة بالإيمان .
وإسناد الانتظار المذكور إليهم على خلاف مقتضى الظاهر بتنزيلهم منزلة من ينتظر أحد الأمرين لأن حالهم من الإعراض عن الوعيد وعدم التفكر في دلائل صدق الرسول A مع ظهور تلك الدلائل وإفادتها التحقق كحال من أيقن حلول أحد الأمرين به فهو يترقب أحدهما كما تقول لمن لا يأخذ حذره من العدو : ما تترقب أن تقع أسيرا . ومنه قوله تعالى ( فهل ينظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم ) وقوله تعالى ( إن تريد إلا أن تكون ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم ) وقوله تعالى ( إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين ) . وهذا قريب من تأكيد الشيء بما يشبه ضده وما هو بذلك .
وجملة ( كذلك فعل الذين من قبلهم ) تنظير بأحوال الأمم الماضية تحقيقا للغرضين .
والإشارة إلى الانتظار المأخوذ من ( ينظرون ) المراد منه الإعراض والإبطاء أي كإبطائهم فعل الذين من قبلهم أن يأخذهم العذاب بغتة كما أخذ الذين من قبلهم . وهذا التحذير لهم وقد رفع الله عذاب الاستئصال عن أمة محمد " E " ببركته ولإرادته انتشار دينه .
و ( الذين من قبلهم ) هم المذكورون في قوله تعالى ( قد مكر الذين من قبلهم )