والأمر بأصول من الشريعة ؛ من تأصيل العدل والإحسان والمواساة والوفاء بالعهد وإبطال الفحشاء والمنكر والبغي ونقض العهود وما على ذلك من جزاء بالخير في الدنيا والآخرة .
وأدمج في ذلك ما فيها من العبر والدلائل والامتنان على الناس بما في ذلك من المنافع الطيبات المنتمة والمحاسن وحسن المناظر ومعرفة الأوقات وعلامات السير في البر والبحر ومن ضرب الأمثال .
ومقابلة الأعمال بأضدادها .
والتحذير من الوقوع في حبائل الشيطان .
والإنذار بعواقب كفران النعمة .
ثم عرض لهم بالدعوة إلى التوبة ( ثم إن ربك للذين علموا السوء بجهالة ) الخ... .
وملاك طرائق دعوة الإسلام ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ) .
وتثبيت الرسول A ووعده بتأييد الله إياه .
( أتى أمر الله فلا تستعجلوه ) لما كان معظم أغراض هذه السورة زجر المشركين عن الإشراك وتوابعه وإنذارهم بسوء عاقبة ذلك وكان قد تكرر وعيدهم من قبل في آيات كثيرة بيوم يكون الفارق بين الحق والباطل فتزول فيه شوكتهم وتذهب شدتهم . وكانوا قد استبطأوا ذلك اليوم حتى اطمأنوا أنه غير واقع فصاروا يهزأون بالنبي A والمسلمين فيستعجلون حلول ذلك اليوم .
صدرت السورة بالوعيد المصوغ في صورة الخبر بأن قد حل ذلك المتوعد به . فجيء بالماضي المراد به المستقبل المحقق الوقوع بقرينة تفريع ( فلا تستعجلوه ) لأن النهي عن استعجال حلول ذلك اليوم يقتضي أنه لما يحل بعد .
والأمر : مصدر بمعنى المفعول كالوعد بمعنى الموعود أي ما أمر الله به . والمراد من الأمر به تقديره وإرادة حصوله في الأجل المسمى الذي تقتضيه الحكمة .
وفي التعبير عنه بأمر الله إبهام يفيد تهويله وعظمته لإضافته لمن لا يعظم عليه شيء . وقد عبر عنه تارات بوعد الله ومرات بأجل الله ونحو ذلك .
والخطاب للمشركين ابتداء لأن استعجال العذاب من خصالهم قال تعالى ( ويستعجلونك بالعذاب ) .
ويجوز أن يكون شاملا للمؤمنين لأن عذاب الله وإن كان الكافرون يستعجلون به تهكما لظنهم أنه غير آت فإن المؤمنين يضمرون في نفوسهم استبطاءه ويحبون تعجيله للكافرين .
فجملة ( فلا تستعجلوه ) تفريع على ( أتى أمر الله ) وهي من المقصود بالإنذار .
والاستعجال : طلب تعجيل حصول شيء فمفعوله هو الذي يقع التعجيل به . ويتعدى الفعل إلى أكثر من واحد بالباء فقالوا : استعجل بكذا . وقد مضى في سورة الأنعام قوله تعالى ( ما عندي ما تستعجلون به ) .
فضمير ( تستعجلوه ) إما عائد إلى الله تعالى أي فلا تستعجلوا الله . وحذف المتعلق ب ( تستعجلوه ) لدلالة قوله ( أتى أمر الله ) عليه . والتقدير : فلا تستعجلوا الله بأمره على نحو قوله تعالى ( سأريكم آياتي فلا تستعجلون ) .
وقيل الضمير عائد إلى ( أمر الله ) وعليه تكون تعدية فعل الاستعجال إليه على نزع الخافض .
والمراد من النهي هنا دقيق لم يذكروه في موارد صيغ النهي . ويجدر أن يكون للتسوية كما ترد صيغة الأمر للتسوية أي لا جدوى في استعجاله لأنه لا يعجل قبل وقته المؤجل له .
( سبحانه وتعالى عما يشركون [ 1 ] ) مستأنفة استئنافا ابتدائيا لأنها المقصود من الوعيد إذ الوعيد والزجر إنما كانا لأجل إبطال الإشراك . فكانت جملة ( أتى أمر الله ) كالمقدمة وجملة ( سبحانه وتعالى عما يشركون ) كالمقصد .
و ( ما ) في قوله ( عما يشركون ) مصدرية أي عن إشراكهم غيره معه .
وقرأ الجمهور ( يشركون ) بالتحتية على طريقة الالتفات فعدل عن الخطاب ليختص التبرئ من شانهم أن ينزلوا عن شرف الخطاب إلى الغيبة .
وقرأه حمزة والكسائي بالمثناة الفوقية تبعا لقوله ( فلا تستعجلوه ) .
( ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون [ 2 ] ) كان استعجالهم بالعذاب استهزاء بالرسول A وتكذيبه وكان ناشئا عن عقيدة الإشراك التي من أصولها استحالة إرسال الرسل من البشر .
وأتبع تحقيق مجيء العذاب بتنزيه الله عن الشريك فقفي ذلك بتبرئة الرسول A من الكذب فيما يبلغه عن ربه ووصف لهم الإرسال وصفا موجزا . وهذا اعتراض في أثناء الاستدلال على التوحيد