( وتودون ) إما عطف على ( يعدكم ) أي إذ يقع الوعد من الله والود منكم وإما في موضع الحال والواو واو الحال أي بعدكم الله إحدى الطائفتين في حال ودكم لقاء الطائفة غير ذات الشوكة وهذا الود هو محل التشبيه الذي أفاده عطف ( وإذ يعدكم ) مجرور الكاف في قوله ( كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ) فهو مما شبه به حال سؤالهم عن الأنفال سؤالا مشوبا بكراهية صرف الأنفال عن السائلين عنها الرائمين أخذها .
والود المحبة وذات الشوكة صاحبة الشوكة ووقع ( ذات ) صفة لمقدر تقديره الطائفة غير ذات الشوكة أي الطائفة التي لا تستطيع القتال .
و ( الشوكة ) أصلها الواحدة من الشوك وهو ما يخرج في بعض النبات من أعواد دقيقة تكون محددة الأطراف كالإبر فإذا نزغت جلد الإنسان أدمته أو آلمته وإذا علقت بثوب أمسكته وذلك مثل ما في ورق العرفج ويقال هذه شجرة شائكة ومن الكناية عن ظهور الشر قولهم " إن العوسج قد أورق " وشوكة العقرب البضعة التي في ذنبها تلسع بها .
وشاع استعارة الشوكة للبأس يقال : فلان ذو شوكة أي ذو بأس يتقى كما يستعار القرن للباس في قولهم : أبدى قرنه والناب أيضا في قولهم : كشر عن نابه وذلك من تشبيه المعقول بالمحسوس أي تودون الطائفة التي لا يخشى بأسها تكون لكم أي ملككم فتأخذونهم .
وقد أشارت الآية إلى ما في قصة بدر حين أخبر رسول الله A المسلمين بانصراف عير قريش نحو الساحل وبمجيء نفيرهم إلى بدر وأخبرهم أن الله وعدهم إحدى الطائفتين أي إما العير وإما النفير وعدا معلقا على اختيارهم إحداهما ثم استشارهم في الأمر أيختارون اللحاق بالعير أم يقصدون نفير قريش فقال الناس : إنما خرجنا لأجل العير وراموا اللحاق بالعير واعتذروا بضعف استعدادهم وأنهم يخرجوا لمقاتلة جيش وكانت العير لا تشتمل إلا على أربعين رجلا وكان النفير فيما قيل يشمل على ألف رجل مسلح فذلك معنى قوله تعالى ( وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) أي تودون غنيمة بدون حرب فلما لم يطمعوا بلقاء الجيش وراموا لقاء العير كانوا يودون أن تحصل لهم غنيمة العير ولعل الاستشارة كانت صورية أمر الله بها نبيه لتثبيت المسلمين لئلا تهن قوتهم النفسية إن أعلموا بأنهم سيلقون ذات الشوكة .
وقوله ( ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ) عطف على جملة ( وتودون ) على احتمالي أن واوها للعطف أو للحال والمقصود من الإخبار بهذه الجمل الثلاث إظهار أن ما يدودونه ليس فيه كمال مصلحتهم وأن الله اختار لهم ما فيه كمال مصلحتهم وإن كان يشق عليهم ويرهبهم فانهم لم يطلعوا على الأصح بهم . فهذا تلطف من الله بهم .
والمراد من الإرادة هنا إرادة خاصة وهي المشيئة والتعلق التنجيزي للإرادة التي هي صفة الذات . فهذا كقوله ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) أي يسر بكم .
ومعنى يحق الحق : يثبت ما يسمى الحق وهو ضد الباطل يقال : حق الشيء إذا ثبت قال تعالى ( أفمن حق عليه كلمة العذاب ) .
والمراد بالحق هنا : دين الحق وهو الإسلام وقد أطلق عليه اسم الحق في مواضع كثيرة من القرآن كقوله ( حتى جاءهم الحق ورسول مبين ) الآية .
وإحقاقه باستئصال معانديه فأنتم تريدون نفعا قليلا عاجلا وأراد الله نفعا عظيما في العاجل والأجل والله يعلم وأنتم لا تعلمون .
وفي قوله ( ليحق الحق ) جناس الاشتقاق . وفيه دلالة على أن أصل مادة الحق هو فعل حق . وأن أصل مادة الباطل هي فعل بطل . ونظيره قول النبي A للذين قالوا في التشهد السلام على الله فقال لهم النبي A أن الله هو السلام .
وكلمات الله ما يدل على مراده وعلى كلامه النفسي حقيقه من أقوال لفظية يخلقها خلقا غير متعارف ليفهمها أحد البشر ويبلغها عن الله مثل القرآن أو مجازا من أدلة غير لفظية مثل ما يخاطب به الملائكة المحكي في قوله تعالى ( حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير ) وفسره قول رسول الله A إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا للذي قال الحق وهو العلي الكبير .
A E