وجملة ( سبحانه وتعالى عما يصفون ) مستأنفة تنزيها عن جميع ما حكي عنهم . ف ( سبحان ) مصدر منصوب على أنه بدل من فعله . وأصل الكلام أسبح الله سبحانا . فلما عوض عن فعله صار ( سبحان الله ) بإضافته إلى مفعوله الأصلي وقد تقدم في قوله تعالى ( قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا ) في سورة البقرة .
ومعنى ( تعالى ) ارتفع وهو تفاعل من العلو . والتفاعل فيه للمبالغة في الاتصاف . والعلو هنا مجاز أي كونه لا ينقصه ما وصفوه به أي لا يوصف بذلك لان الاتصاف بمثل ذلك نقص وهو لا يلحقه النقص فشبه التحاشي عن النقائص بالارتفاع لان الشيء المرتفع لا تلتصق به الأوساخ التي شأنها أن تكون مطروحة على الأرض فكما شبه النقص بالسفالة شبه الكمال بالعلو فمعنى ( تعالى عن ذلك ) أنه لا يتطرق إليه ذلك .
وقوله ( عما يصفون ) متعلق ب ( تعالى ) ف ( عن ) للمجاوزة . وقد دخلت على اسم الموصول أي عن الذي يصفونه .
والوصف : الخبر عن أحوال الشيء وأوصافه وما يتميز به فهو إخبار مبين مفصل للأحوال حتى كأن المخبر يصف الشيء وينعته .
واختير في الآية فعل ( يصفون ) لأن ما نسبوه إلى الله يرجع إلى توصيفه بالشركاء والأبناء أي تباعد عن الاتصاف به . وأما كونهم وصفوه به فذلك أمر واقع .
( بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم [ 101 ] ) جملة مستأنفة وهذا شروع في الإخبار بعظيم قدرة الله تعالى وهي تفيد مع ذلك تقوية التنزيه في قوله ( سبحانه وتعالى عما يصفون ) فتتنزل منزلة التعليل لمضمون ذلك التنزيه بمضمونها أيضا وبهذا الوجه رجح فصلها على عطفها فإن ما يصفونه هو قولهم : إن له ولدا وبنات لأن ذلك التنزيه يتضمن نفي الشيء المنزه عنه وإبطاله فعلل الإبطال بأنه خالق أعظم المخلوقات دلالة على القدرة فإذا كنتم تدعون بنوة الجن والملائكة لأجل عظمتها في المخلوقات وأنتم لا ترون الجن ولا الملائكة فلماذا لم تدعوا البنوة للسماوات والأرض المشاهدة لكم وأنتم ترونها وترون عظمها . فهذا الإبطال بمنزلة النقض في علم الجدل والمناظرة .
وقوله ( بديع ) خبر لمبتدأ ملتزم الحذف في مثله وهو من حذف المسند إليه الجاري على متابعة الاستعمال عندما يتقدم الحديث عن شيء ثم يعقب بخبر عنه مفرد كما تقدم في مواضع .
وتقدم الكلام على ( بديع السماوات والأرض ) عند قوله تعالى ( بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون بديع السماوات والأرض ) في سورة البقرة .
والاستدلال على انتفاء البنوة عن الله تعالى بإبداع السماوات والأرض لأن خلق المحل يقتضي خلق الحال فيه فالمشركون يقولون بأن الملائكة في السماء وأن الجن في الأرض والفيافي فيلزمهم حدوث الملائكة والجن وإلا لوجد الحال قبل وجود المحل وإذا ثبت الحدود ثبت انتفاء البنوة لله تعالى لأن ابن الإله لا يكون إلا إلها فيلزم قدمه كيف وقد ثبت حدوثه ولذلك عقب قولهم ( اتخذ الله ولدا ) بقوله ( سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون ) في سورة البقرة وقد أشرنا إلى ذلك عند قوله تعالى ( الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض ) في أول هذه السورة .
وجملة ( أنى يكون له ولد ) تتنزل منزلة التعليل لمضمون التنزيه من الإبطال وإنما لم تعطف على التي قبلها لاختلاف طريق الإبطال لأن الجملة الأولى أبطلت دعواهم من جهة فساد الشبهة فكانت بمنزلة النقض في المناظرة . وهذه الجملة أبطلت الدعوى من جهة إبطال الحقيقة فكأنها من جهة خطأ الدليل لأن قولهم بأن الملائكة بنات الله والجن أبناء الله يتضمن دليلا محذوفا على البنوة وهو أنهم مخلوقات شريفة فأبطل ذلك بالاستدلال بما ينافي الدعوى وهو انتفاء الزوجة التي هي أصل الولادة فهذا الإبطال الثاني بمنزلة المعارضة في المناظرة .
و ( أنى ) بمعنى من أين وبمعنى كيف .
والواو في ( ولم تكن له صاحبة ) واو الحال لأن هذا معلوم للمخاطبين فلذلك جيء به في صيغة الحال .
A E