الصحوة الإسلامية: الهواجس والمستقبل

الصحوة الإسلامية: الهواجس والمستقبل

 

الصحوة الإسلامية: الهواجس والمستقبل 

 

علي رمضان الأوسي

مقدمة:

حين انطلقت الصحوات الإسلامية في البلاد العربية رحّبت بها هذه الشعوب الإسلامية وناصرتها ودعمتها وكان الطابع العفوي واضحاً على هذه الصحوات، واحتفظت لنفسها بهويتها الإسلامية ابتداءً من الحاضن الزمني أيام الجمعة حيث استثمرت ومروراً بإسلامية الشعارات التي رفعتها ولا زالت التحولات تتوّج بالبعد الإسلامي في الانتخابات والبرامج الحكومية، وبين هذا وذاك يشعر الجميع بتنامي الوعي الديني وازدياد الاصرار على ان تكون النتائج بنفع هذه الشعوب المحرومة، (فأن الصحوة الإسلامية في القرن الأخير أدت إلى يقظة المسلمين ووعيهم بالدين، وعودتهم إلى الاحكام الإسلامية واسترجاع العزة الإسلامية في العالم، ويعتبر احياء الوحدة الإسلامية من الانجازات الهامة للصحوة الإسلامية، لأن التفرق وتشتيت الأفكار والآراء والمذاهب الإسلامية من الآفات الاساسية للمجتمعات الإسلامية. وليتجنب العلماء في كل مذهب التطرف، وإنْ اقترف أحد اتباع مذهبهم خطأ يتعارض مع مبادئ الوحدة ويمس بها، يجب على العلماء ادانته بشكل رسمي، وان المصداقية هامة جداً في هذا الأمر، لأن العمل غير المصداقي ستتعكز عليه العناصر المتطرفة حتى يضروا باتباع المذهب الآخر)([1]).

وعليه (فالصحوة الإسلامية عودة إلى سبيل الله وهي يقظة بعد ثبات وتحرك بعد قعود وحركة بعد جمود وعزّ بعد ذل وأمل بعد احباط)([2])، ولكن:

1- ماذا يخطّط الكبار لهذه الصحوات؟

بعد شعورهم بالهزيمة أمام ارادة الجماهير وخوفاً من بلوغ الصحوات مراحل القرار السياسي بعد التغيير برز دور لقوى عالمية وأقليمية مؤثرة لتحريف جهة الصراع والحيلولة دون بلوغ القرار السياسي بشكل مطلق. (ان إصطفاف الاستكبار العالمي امام الصحوة الإسلامية المباركة وذلك بأساليبه المتنوعة و في مختلف المجالات الاعلامية والاقتصادية والعسكرية والثقافية لا يمكن مقاومته الا بارادة قوية و مشروع موحد من قبل علماء الامة وقادتها السياسيين و اصحاب رؤوس اموالها المؤمنين ومجاهديها المقاومين من كل مذهب وقومية واقليم فمع سقوط قاعدة « فرق تسد» ورفع شعار الوحدة في ظلال التوحيد والتبعية لخاتم الانبياء و توحد الامة الإسلامية لقد انشقت كل الصفوف الاستكبارية واصيبوا بالارتباك في تصريحاتهم ومواقفهم في الاحداث الاخيرة لقد دافعوا عن الحكام الطغاة إلى آخر لحظة وعندما اصطدموا بارادة الشعوب الحديدية تحولوا إلى بابوات نصحاء يدعون الحكام إلى التنحي بسلمية لصالح شعوبهم وعندما اسقطت الشعوب حكامها العملاء وقف زعماء الاستكبار في منظمة الامم المتحدة يصرحون بكل وقاحة بأن الخصيصة التي يحملها اجتماع الامم المتحدة في اجتماعه السنوي لعام 2011م هي عدم وجود بعض الطغاة والديكتاتوريين في اوساطهم وسعوا لاغفال العالم أو استغفالهم وظنوا بأن الشعوب الإسلامية ، تنسى بسرعة وبسهولة مَن الذين كانوا يساندون هؤلاء الطغاة لاكثر من ثلاثة عقود وأن بامكانهم أن يكتبوا التاريخ الانساني بأحرف الدجل و الخداع والتزوير)([3]). فاستخدموا أساليب عدة لمواجهة تنامي الصحوة الإسلامية لعلّ أبرزها:

أ- محاولة اختراق قيادات هذا التحرك، وإغراؤهم وحتى تهديدهم كما حصل في مصر وتونس بشكل واضح، ولعلّ المشهد السياسي في هذين البلدين وغيرهما يكشف عن طبيعة هذا الاختراق، والفضائح التي رصدتها وقائع هذه الثورات.

ب- هذه القوى العالمية استخدمت قوى محلية أدارت بها المواجهات بأموال وقدرات هذه الدول فالدور الخليجي وبشكل سافر الدور القطري وكذلك الدور التركي كلهم أصبحوا يتوجهون بشكل علني  بهذه السياسات وهذا ما شاهدناه في ليبيا ونشاهده اليوم في سوريا أيضاً.

ج- التجييش الاعلامي من خلال قنوات تحريضية محترفة تعتمد سياسة تعبوية لأخبارها بفبركتها من أجل أهداف واضحة ومحددة.

د- تسهيل كل أنواع الدعم اللوجستي وبسخاء أملاً باستغلال ثروات تلك البلدان حين تقع بين أيديهم وهناك أساليب أخرى تتغير والمستجدات.

انّ هذه الدول تهدف إلى رسم وتأسيس شرق أوسطي جديد على المقاس الغربي ولا تستشير أحداً في ذلك دعماً للوجود الإسرائيلي وحفظاً للتوازن الاستراتيجي بأنها دول وقوى الممانعة أمام التمدد الإسرائيلي والغربي للهيمنة والتسلط.

(ويعتمد هذا المفهوم وفقاً لشمعون بيرز في كتابه "الشرق الاوسط الجديد" سنة 1993م، على دمج "إسرائيل" في المنطقة من خلال تعزيز المؤسسات والهيئات الاقليمية وترابط البنى التحتية لدول المنطقة والاندماج والتداخل الاقتصادي الاقليمي، تكون محصلته النهائية خلق نظام إقليمي واحد تصبح "إسرائيل" مهيمنة بحكم تفوّقها الصناعي والعسكري من ناحية، وبحكم الدعم الخارجي الامريكي اللامحدود للسيطرة على المنطقة ومواردها من ناحية أخرى، انها محاولة للالتفاق على عملية الرفض الاقليمي لإسرائيل)([4]). وسوف لا يكون بمقدورهم تمرير هذا المشروع بفضل وعي الأمة وصمود أبنائها والفضائح التي تلاحق أصحاب هذا المشروع.

2- التحالفات الجديدة:

لم تمرّ هذه الاحداث من غير تحالفات جديدة تبنى على أنقاض تحالفات قديمة، فالغربيون الكبار تركوا الأبواب مشرعة أمام كل من يقع في حبائل أفكارهم وخططهم ومكائدهم، وعملوا على إغراء مذاهب وطوائف معينة من أجل إشعال حروب طائفية طويلة الأمد، وقد وجدوا في الوهابية والسلفية وحتى طالبان وأضرابهم فرصة كبيرة للتحالف لا لخدمتهم وإنما لشق الصف الإسلامي وتحريف حركة الصحوات الإسلامية وبناء كيانات لاحقاً ديدنها الصراع الدموي الذي تكررت مشاهده في افغانستان والعراق ولعلهم ينجحون في تطبيقه في مناطق إسلامية وعربية أخرى، هذا النوع من التحالف سيقضي على فرص التقريب ومساعي الوحدة الإسلامية، فماذا عسانا فاعلين لمواجهة هذا التحالف الشر على مستقبل الأمة والمجتمع والانسان المسلم معاً، سنتعرض في هذا المقال لاحقاً إلى (التقريب وتداعيات هذا الصراع). وقد نشرت جريدة الأهالي المصرية مقالاً للكاتب سمير اكرم في عددها الصادر يوم 21/12/2011م ان اليسار الامريكي يتهم الامبريالية بأنها تتحالف مع الإسلاميين في بلدان الربيع العربي.

 

3- جهة الصراع:

انطلق الصراع في هذه المواجهات بين الأنظمة المستبدة وبين المطالبين بالحقوق، وما إنْ دخلتْ المؤثرات الخارجية فان هذا الصراع بدأ يفقد رونقه وبراءته حيث تدخّلوا حتى في تفاصيل هذه المواجهات وعبثوا بنتائجه ورسم مستقبل هذه البلدان من خلال التحالف والتاثير المباشر وغيره على المكونات السياسية لهذه البلدان بعد التغيير.

وقد أكد الكاتب المصري محمد حسنين هيكل في حديثه بتاريخ 22/10/2011م في حوار أجرته معه صحيفة (الاهرام) المصرية ان ما يحدث في المنطقة ليس ربيعاً وانما (سايكس بيكو) جديد.

انّ هذه التطورات الدراماتيكية والتي يراد منها النيل من وحدة هذه البلدان والتأثير على سيادتها ستدفع باتجاه جديد في طبيعة المواجهة، ستنتفض الشعوب على محتليها وستتكشف خلفيات في هذه المواجهة وستقف ابناء هذه البلدان على حقائق لا تنسجم وتطلعات مطالباتهم بالحقوق، فهناك أجندة مقحمة على هذا  الصراع هي وراء عدم الاستقرار والسياسات الطائفية والتجاذب المناطقي وغيرها.

فهل هناك من يخطط لوضع المنطقة على صفيح ساخن من أجل ان يغيّروا معالمها ويهدفوا لشرق أوسطي جديد تسوده التبعية للأجنبي ويسوده افقار الشعوب بسلب ثرواتها ومحاولة إنهاء أية ممانعة ترفض هذه الهيمنة؟ (فدعم الصحوة إنّما بتعميقها وتفعيلها وتصحيح مسارها حتى تتم النهضة الكاملة والوحدة المنشودة)([5]).

 

4- التقريب والصراع القائم:

انّ ابرز الاوراق التي يمارسونها في المنطقة العربية والإسلامية هما ورقتا التقسيم والطائفية إلى جانب شعارات ما يسمى بالديمقراطية الغربية وحقوق الانسان والامومة والطفولة وغيرها مما لم تحظ باحترام حقيقي لها في البلدان الغربية ذاتها حين يتعرض أمنها إلى إقلاق أو مشاكل وهذا ما حصل في امريكا وأوربا أيضاً في احداث كثيرة واجهوها بكل قسوة ولم يرعوا أي حق من هذه الحقوق.

التقسيم مخطط غربي أعدوه لتهديد الوحدة الجغرافية والوطنية لهذه المنطقة سواء كان تقسيماً مناطقياً أو عرقياً أو طائفياً المهم ان يتقزم هذا الوجود وهذه المنطقة من خلال هذا التقسيم الذي يلقى تناغماً كبيراً لدى الكثير من المكونات المهمشة في هذه المنطقة. كما أشرنا قبل قليل لرأي محمد حسنين هيكل بهذا الشأن حيث نعتها بأنها (سايكس بيكو) جديدة.

 

مشروع التقريب في مواجهة الورقة الطائفية:

بعد أنْ بات واضحاً للعيان ان الطائفية من أكبر النتائج التي ظهرت في هذه المواجهات العربية برز التصنيف الطائفي مؤثراً رئيساً وفاعلاً في توزيع دائرة القرار السياسي بعد التغيير بعد ان شكّلت الطائفية دافعاً للكثير من المواقف الرسمية وغير الرسمية في دعم طرف ما على حساب اطراف أخرى. هذه السياسة أوجدت واقعاً جديداً وعلاقات تفتقر إلى الحد الأدنى من الشفافية وبات فيها احترام الآخر من الممنوعات بل صاروا أكثر عدوانية لتدمير الرأي الآخر وإمعان القتل والدمار في الآخرين كما جرى بشكل واضح في اليمن وليبيا.

لو استمرت هذه العدوانية الطائفية من غير رادع قانوني ولا مانع اخلاقي ولا ورع ديني فانّها ستأتي على الكثير من الانجازات التي حققها مشروع التقريب طيلة هذه السنوات.

فالطائفية في ذاتها هي نزعات بين فئات وطوائف قائمة على أسس دينية أو مذهبية أو عرقية أو لغوية، وقد تتفجر هذه النزاعات بشكل أكثر حدة كما هو حاصل في العراق اليوم، وبإمكان هذه النـزاعات أن يكون لها طابع الامتداد خارج نطاقها وهذا ما جعلها محل رصد من قبل المتتبعين لا سيما من جانب ما يتعلق بمستقبل المنطقة التي تشهد هذه التطورات، خاصة وأنها أصبحت بمثابة صراع. إن إدمان الحالة المذهبية والطائفية بعامة جعل هناك أرضية خصبة تعمل من خلالها الجهات السياسية والدولية على إضفاء الطابع المذهبي على الصراعات السياسية.

ومن أجل العودة بهذه النزعة والحالة إلى سياقاتها الأصلية فإن جميع الأطراف مدعوون إلى تحمل مسؤولياتهم الشرعية والسياسية والتاريخية والعمل على عقلنة الفكر الديني والمذهبي وإبعاد الحالة المذهبية والدينية عن أن تكون حالة انغلاق وتحجر عصبية وذلك عن طريق التركيز على الثوابت المشتركة سواء في المضمون لإدارة الاختلاف الذي هو طبيعة بني البشر وبذلك يمكن تحويل الاختلاف إلى حالة تنوع والتنافر إلى حالة غنى للجميع([6]).

 

المؤسسات الدينية:

تورطت أكثر المؤسسات الدينية بهذا العدوان الطائفي وراحت الفتاوى تصدر بألوان مختلفة ولهجات متشددة من غير ورع ولا تدبّر، حتى التبس الأمر عليهم بطلب استقدام الاجنبي لضرب المصالح الوطنية والإسلامية لتمرير مشاريع لا تخدم كافة الاطراف إلا طرفاً واحداً وهو الأجنبي المستفيد الأكبر حين تنشب الطائفية أظفارها في جسد الأمة وتمزقه وتنفث فيه الحقد وسموم الدمار على الهوية ومن غير احترام لمبدأ المواطنة.

لم تعِ هذه المؤسسات الدينية ومن تصدّى فيها خطر هذه الطائفية المقيتة التي تدق أسفين الكراهية بين أبناء البلد الواحد والشعب الواحد، ولا يمكننا إعذارهم هذه المرة بعد كل المؤشرات والشواهد على حرب المؤامرة القائمة والمتشظّية حقداً على أبناء الإسلام في كل مكان، فهل يعقل أنهم لم يدركوا هذا الخطر الذي يدركه حتى الطفل اليمني أو السوري أو البحريني أو الليبي وغيرهم جراء ما شاهدوه من ظلم وتمييز واحقاد يوزعها الظالمون هنا وهناك بغية تقطيع هذا الجسد الواحد وتأجيج الكراهية والطائفية والاحقاد في الجسد الواحد؟

اين هذه المؤسسات الدينية وعلماؤها من مباديء التوحيد ونداءات التقارب المذهبي والتلاحم في صفوف الأمة الواحدة التي اراد الله لها هذه المكانة (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون)([7])؟، فالأصل الوحدة في الأمة ويبقى الاختلاف اختلاف تنوّع واجتهاد وحركة.

لماذا تنأى هذه المؤسسات الدينية بعلمائها عن هذا الوعي التوحيدي التقاربي الذي به عزة الأمة ومن دونه لا يلقى المسلمون إلا الفرقة والانقسام على أنفسهم؟.

(إذ ليس من شأن المجالس العلمية ان تقصر نشاطها العلمي على إصدار البيانات وإعلان أحكام الشجب والأدانة وان تظل في تأخر عن ركب المجتمع والتاريخ بعيدة عن ضرورات العصر وبالتالي تسلك طريق الاقصاء والتهميش)([8]).

 

الخطاب الديني:

وهنا يتجلى المفهوم السليم للخطاب الديني الناجح فليس هو احتكاراً على أحد ولا يخضع لأمزمة واذواق فردية وليس ردود أفعال وإنما ينطلق هذا الخطاب من ضرورة العمل الذي ينشد وحدة الأمة ويعزز مكانتها، ولابد ان تُرفض كافة الخطابات التحريضية والكيدية والافتاءات السيئة وأساليب تكفير وأقصاء الآخرين.

لقد تأثّر هذا الخطاب الديني في هذه المرحلة إلى حدّ كبير بتوجهات بعض الأنظمة الحاكمة حتى افتضحت أمام الجميع حرب المنابر والخطابات الدينية وكل ذلك الاختلاف يعود إلى السياسة التي تستند اليها تلك الانظمة المؤثرة في هذه المؤسسات وخطابها الديني.

كما ابتلي هذه الخطاب بجهل اصحابه في ادارة الأزمات وكأنهم خالو الوفاض أزاء ما يجري ويحدث، وهنا دعوة صريحة لتوعية أئمة الجمعة والجماعة والخطباء قبل غيرهم ليطرحوا ما ينفع الأمة بعد ان يميزوا الغثَّ من السمين، والصحيح من الخطأ، وذلك بفضل آليات المعرفة التي يمتلكونها واستقلالية قرار هذه المؤسسات الدينية، اما ان تتدخل الأنظمة السياسية والحكام في توجيه لغة الخطاب الديني وفحواه فهذا مما يرتب خسارة كبرى على مساحات التوجيه والوعي الديني المستقل.

 

التقريب والطائفية خطّان متضادّان:

الطائفية مرض خطير وسلاح فتاك لا يلتقي والتقريب من قريب أو بعيد، والطائفية تتسبب في ايجاد أجواء الاحتقان وتقطع سبل الوصال وتزيد من نسب الكراهية بين الناس، فهي أشد من الأمراض الفئوية فتكاً للبوسها الدين وإضفاء الشرعية على متعاطيها فهي تلغي الآخر ولا قيمة لديها للفكر أو الاعتقاد أو الشعائر حين لا يتذوقها الطائفي من خلال مناخه الفكري أو الاعتقادي وليس بمقدور هذا الأتجاه أنْ يكسب أدلة أو مبررات يدافع فيها عن اللون الطائفي فهي مرفوضة شرعاً وغير مقبولة عرفاً ولا عقلاً وتصطدم مع أبسط قواعد التنمية الفكرية والاجتماعية والسياسية والحضارية، فالمجتمعات التي أبتليت بالطائفية لا زالت تعاني الفقر والحرمان والجهل والتخلف فآثار التحرك الطائفي يتجاوز الفرد والمؤسسة إلى العمق الاجتماعي ويضرب بآلامه وأخطاره أعمدة الاستقرار الاجتماعي.

والتطرف الفكري يتسبب في إحداث مشكلة أمنية، وهو أحد أهم مهددات الأمن العام والسلم الاجتماعي، ولابد من البحث عن الدوافع الحقيقية وراء ثقافة العنف المجتمعي الذي يؤكد الروح الدموية لتوجهات أصحابه الفكرية ولابد من التوجه لمعالجة هذا الانحدار الفكري لدى البعض الذين يريدون تسييده في المجتمع لتتحول ثقافة المجتمع إلى عنف ومواجهات ولا سبيل غير ذلك([9]).

 

ما الموقف من هذا الانحراف الفكري:

إذا ما ترك هذا اللون من الانحراف فأن المجتمع سيتحول إلى قوة متضاربة تتشظى فيه القيم وتتعكر أجواء السلم الاجتماعي ومن ثم فلا أمن فكرياً ولا استقرار ينتظره أحد لمعالجة أية ظاهرة من ظواهر التطرف والانحراف الفكري. لابد من تحرير الفكر من سيطرة العواطف بنبذ التعصب الفكري الذي يغذي الأهواء وليس العقول.

لابد ان نواجه في المجتمع أخطار الجهل والتعصب والغلو والفقر وقداسة الذات والاستبداد بكل ألوانه ولابد من ا لموازنة بين الافكار والحريات الفردية والعامة حتى لا نصاب بالغلو أو التطرف والتكفير([10]).

وأفضل الاساليب التي تواجه بها هذه الاخطار هو أسلوب الحوار وقبول الآخر وان اختلفنا معه على ان نضعه في اجواء الحوار ليتخلى أو يهدأ عن عصبيته الفكرية وخلفياته العقائدية، فالحوار من شأنه أنْ يعمل على تبديد الحواجز وإزالة الاوهام وتمهيد النفوس، وبه حاور النبي (ص) المشركين والكفار وحتى المنافقين وقادة الدول والمستبدين، مترسماً الأسلوب القرآني في الانفتاح على الآخر وعرض الأفكار من غير عصبية أو  إقصاء (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين)([11]).

 

المخاوف:

بين التفاؤل المفرط وبين التشاؤم الشديد مساحة كبيرة من النظرة الصحيحة أزاء ما يجري من احداث ينعتها البعض بربيع الثورات وينظر اليها البعض الآخر على انها خريف ومؤامرة، فلابد ان نسلك طريقاً آخر من خلال إحاطة ومتابعة لما حدث ويحدث ومن غير ذلك سوف تأتي النتائج غير مطابقة لواقع الحال، نعم هناك حقوق تطالب بها الشعوب وهناك قوى خارجية دخلت على هذا الاتجاه فأعطت هذه المطالبات أبعاداً أخرى فيجب التمييز وفحص ما يجري في ضوء المعطيات الميدانية.

واشار قائد الثورة الإسلامية في مؤتمر الصحوة إلى : (ان الانحراف في الثورات يبدأ من الانحراف في الشعارات والأهداف، لا تثقوا إطلاقاً بأمريکا والناتو وبالأنظمة المجرمة مثل بريطانيا وفرنسا و إيطاليا التي جثمت لأمد طويل على صدور بلدانکم ووزّعت بينها بلدانكم و نهبت ثرواتكم ، تعاملوا معها بسوء ظن ولا تصدّقوا ابتساماتهم ، فوراء هذه الابتسامات والوعود تکمن الخيانات والمؤامرات. ابحثوا عن حلولکم من منبع الإسلام الفيّاض وردّوا وصفات الأجانب إليهم .

نصيحتي المهمة الأخرى الحذر من الاختلافات المذهبية و القومية و العنصرية و القبلية و الحدودية. اعترفوا بالتفاوت ووجّهوه بإدارة حاذقة. التفاهم بين المذاهب مفتاح النجاة .

أولئك الذين يثيرون نيران التفرقة المذهبية أو يعمدون إلى تکفير هذا و ذاك ، هم عملاء الشيطان وجنده حتى لو لم يعلموا هم بذلك .

إقامة النظام عمل کبير و أساسي ، إنه عمل معقد و صعب. لا تدعوا النماذج العلمانية أو الليبرالية الغربية ، أو القومية المتطرفة ، أو الاتجاهات اليسارية المارکسية تُفرض عليکم .

إن المعسکر الشرقي قد انهار و المعسکر الغربي يتشبث بالعنف و الحرب و الخداع، ليحافظ على بقائه وليس له عاقبة خير متصورة في الأفق .

مرور الزمان بضررهم و لصالح تيار الإسلام.الهدف النهائي يجب أن يتمثل في التوجه نحو الأمة الواحدة الإسلامية و بناء الحضارة الإسلامية الجديدة على أساس الدين و العقلانية و العلم و الأخلاق.

تحرير فلسطين من مخالب الوحش الصهيوني هو أيضاً هدف كبير. بلدان البلقان و القوقاز وغرب آسيا قد تحررت من سيطرة الاتحاد السوفيتي السابق بعد ثمانين سنة من الاحتلال ، فلماذا لا تستطيع فلسطين المظلومة بعد سبعين سنة أن تتحرر من أسر السيطرة الصهيونية؟([12]).

فالاخطار والمخاوف والقلق يساورنا جميعاً على مستقبل هذه المواجهات ولعلّ أبرز هذه المخاوف التي تؤثر أثرها السيء والمدمر على التقريب والتقريبين:

1- عدم وضوح المستقبل لهذه الثورات لما يتهددها من أخطار ودخول القوى المهيمنة عليها واختراق صفوفها وهذا ما حصل في مصر وليبيا وحتى تونس فلا زالت آثار النظام السابق في مصر فاعلة في الواقع السياسي الحالي رغم بعض التحولات والانتخابات الأخيرة التي جرت هناك.

انّ صعود هذه الكيانات الفتية ليس بمقدورها مواجهة القوى ومراكز التأثير المعتّقة وبالتالي تتأثر بما حولها اذ يفرضون عليها واقعاً أكبر من قدراتها فتتوسّل وتقع في شراك الأقوياء.

انّ عدم وضوح المستقبل يتسبّب في إيقاف الجهود البنّاءة، ويعطل أسباب التنمية والتطور وحتى العلاقات حيث يهيمن القلق وعدم الثقة على جميع الاطراف ما يعيق بناء علاقات أفضل وهذه المرحلة قد تستغرق زمناً ليس قليلاً يصبّ في زيادة المعاناة.

2- حتى لا تمر هذه الثورات بسلام فهناك من يهندس مستقبل هذه البلدان ولو بالتزوير والضغوط الاقتصادية والعمالة وغيرها فتأتي أنظمة معلّبة يظهر فيها ثائر أو اصلاحي وباطنها الارتباط الحقيقي لتوجيه هذه الانظمة فهناك رؤية غربية لتثبيت التوازن العسكري والاقتصادي مع (إسرائيل) ومن ثم الانفتاح على الاسواق والمنتج الغربي.

3- للأسف هناك مساع للحفاظ على (الثقافة المليشيوية) على أن يبقى السلاح بيد القلة مع تشرذم واضح في ظل فوضى مسيطر عليها، وهذا النمط الجديد من القدرة الموزّعة تدفع للقلق أكثر وتمنع أي بناء على صعيد البلدان العربية وربما الإسلامية لاحقاً وذلك منعاً لبناء الكتل والتحالفات الكبيرة المؤثرة.

4- هناك جهود كبيرة لصياغة إسلام سياسي على النمطية  الغربية يفتقد لكل أصالة محمدية، وهذا الإسلام الغربي سيكون حائلاً أمام الصحوة الإسلامية الحقيقية ويعمل على تفتيت المشاريع الإسلامية الوحدوية او التقريبية، وهناك سيقع صراع مرير بين ثقافتين واتجاهين للقيم وتفسيرين للاشياء، كما حصل في التاريخ الماضي الإسلامي وهو صراع بين الوعي والتجهيل صراع بين الايمان والنفاق متخذاً أساليب وصيغاً معقدة جديدة عن واقع الأمس.

5- إذكاء الطائفية والقبلية معاً، وإلباسهما قداسة دينية مزيفة وبهذا تتقاتل الأمة فيما بينها نيابة عن رواد المشروع الغربي للمنطقة، وقد أشرنا إلى خطر الطائفية فهي باب ومدخل خطير للحروب الأهلية في البلد الواحد والشعب الواحد والدين الواحد وحتى المذهب الواحد أحياناً.

وهنا تتجلى أدوار العلماء والمخلصين والمضحين لمواجهة هذه الاخطار وإفشال كل المخططات التي يهدفون بها زعزعة هذا الدين وعقيدته من قلوب اتباعه ومريديه.

6- تذويب الكتل الكبيرة وتفتيت الدول من أجل ان يتوزع الجميع وتذهب من أذهانهم سياسة الكتلة الكبيرة والبلد الأكبر، وهذه السياسة لجدّتها في بلادنا العربية والإسلامية فأنها تحتاج لمواجهتها إلى الموقف والقرار المشترك لكنهم يريدوننا ان لا نشترك في همومنا ولا في تطلعاتنا وآمالنا، وهذا يسهّل عليهم إقصاءنا وإبعادنا عن اجواء العمل المشترك وبالتالي تسهل السيطرة على الجميع من غير تدخل خارجي ومن دون جهد كبير.

7- التغريب الثقافي بتصدير ثقافاتهم وقيمهم إلى واقع بلداننا ومناطقنا، يريدون ان يصبح المفهوم الغربي مقياساً للنجاح، وان التبعية للرجل الأبيض هي علامة التحضر والمدنية أما تاريخنا وثقافتنا الدينية فلا حاجة لها بل هي عبء ثقيل على التقدم والتنمية والانفتاح، وقد يبلغ الأمر لاحقاً بالانسان المسلم  في بلدهِ ان لا يجاهر بطقوسه وعبادته حتى لا يقال عنه انه خارج تاريخ الحضارة والمدنية المعاصرة.

هذا الصراع يراد له ان يُدار تحت غطاء وعنوان (العلم حرب على الدين والعقيدة) وهو شعار باطل والحقيقة ان العلم في خدمة العقيدة، وربما انطلقوا في هذا السبيل لتغليب الثقافة الغربية في بلداننا وإحكام التبعية للغرب بعد الانجازات والمكاسب والانتصارات التي حققتها عقيدة التوحيد وديننا الإسلامي وتعاليمه السمحة وقبول الراي العام الغربي بهذا الدين وافواج المتحولين للإسلام والى التشيع بشكل خاص وهذا يشكّل لديهم هاجساً عظيماً يقلقهم ولا يجعلهم مستقرّين.

8- ان النفوذ الغربي لهذه المنطقة يدخل في سياسة إفقارها وسلبها ثرواتها من خلال الحروب المصطنعة واقبال البعض على الغرب لشراء السلاح والتحالف معه على حساب العقيدة والاخوة والثروات وهذا ما نراه ونلمسه بشكل واضح في سياسة بعض دول الخليج المنبطحة تماماً والمستسلمة إرادتها للغرب.

9- هم يريدون ان تنعدم التنمية بكل معانيها وصورها من بلداننا سواء على الصعيد الاقتصادي والسياسي والثقافي والاجتماعي والتكنولوجي وغيرها، رغم وجود فرص التنمية الهائلة في بلداننا أكثر من البلاد الغربية التي تمارس هذه الأيام القرصنة واحتلال البلدان واضعاف الآخر ولو بالقوة والعنف ليغطوا على فشلهم وهزيمة نظامهم الاقتصادي الرأسمالي الذي بات مثقلاً بالديون والبطالة والتضخم والترهل والفساد وقد شكّل ذلك أكبر أزمة مالية عالمية قد تأتي على أهم ركائز استقرارهم.

10- ان هذه التحولات في المنطقة اذا لم تطابق نتائجها هويتها وشعاراتها فان الغرب سينفذ بكل قوته إلى المنطقة وبالتالي محاصرة العقول والثروات وضرب القدرات الذاتية لهذه الشعوب وتحجيم دورها واضعافها ولعل ما يجري من عدوانية في هذا الطريق سيكون ممهّداً لضرب الوجود الممانع والمقاوم والغني وقد يسهل عليهم ذلك بعد كل تلك المخاوف التي أسلفناها ولعلّ ايران أحد أبرز اهداف هذه العدوانية. لكنها نظام جماهيري وأبرز نظام في المنطقة مارس (الديمقراطية) والانتخاب، فلا مبرّر للعدوان إلا ان تكون مؤامرة مفضوحة تكون إيران قاردة على أحباطها بأذن الله تعالى.

 

قيم التقريب والوحدة:

لا شك ان ما يهدفون إليه لا يقدّم على طبق من ذهب إلى دول الهيمنة لكن هذا الموقف يحتاج للمزيد من الجهد والعمل والتخطيط والمواقف المشتركة بين المسلمين والاحساس بمسؤولية العمل الوحدوي وهنا تتجلى قيم التقريب والتعايش والوحدة وبدونها سوف يعاني الجميع ويواجهون الفشل والإحباط، ومن هنا ندرك سرّ الهجوم على من يعمل في مجالات التقريب والوحدة الإسلامية لان هذه الجهود تسهم في إفشال المخطط الغربي، فهم يسعون بمحاورهم واتباعهم وقدراتهم المختلفة واعلامهم المضلل لتشويه رسالة التقريب والوحدة التي دعا اليها القرآن الكريم وحث عليها النبي الاكرم محمد (ص) والائمة الهداة وسار عليها المسلمون الأوائل في ضوء الاجتهادات ومحطات التنوع الأخرى.

(إن الوحدة الإسلامية عبارة عن: التعاون بين أتباع المذاهب الإسلامية على أساس المبادئ الإسلامية المشتركة الثابتة والأكيدة، واتخاذ موقف موحّد من أجل تحقيق الأهداف والمصالح العليا للأمة الإسلامية، والموقف الموحد تجاه أعدائها مع احترام التزامات كل مسلم تجاه مذهبه عقيدة وعملاً.

والتقريب، يعني: التقارب بين أتباع المذاهب الإسلامية بغية تعرف بعضهم على البعض الآخر عن طريق تحقيق التآلف والأخوّة الدينية على أساس المبادئ الإسلامية المشتركة الثابتة والأكيدة، لقد عمل المشروع الاستكباري منذ ثلاثة قرون ـ على الأقل ـ على أن يركّز أقدامه في كل الأرض الإسلامية رويداً رويداً، ثم تسارعت خطواته حتى احتل مُجمل الأرض الإسلامية في النصف الأول من القرن العشرين.

وكانا هذا المشروع يركز - أهم ما يركز - على تمزيق العالم الإسلامي، وعلى إبقائه متخلفاً على كل الصعد، ثم على إشاعة العلمانية القاتلة وإبعاد الأمة عن الإسلام ومفاهيمه المحيية.

ومضى نصف قرن، فإذا بالصحوة الإسلامية تلقف ما يأفكون وتنتصر الثورة الإسلامية في إيران ويغرق الاستكبار في ذهوله، ثم يصحو ليحاصر هذه الثورة ويثير حولها الشبهات لتبتعد عنها الجماهير وربّما نجح ولكن سرعان ما اكتشف أن اللهب المقدس قد سرى، وأن الشعوب قد ثارت بوجه المستبدين العملاء فأسقطتهم واحداً تلو الآخر، وهاجمت كل المواقع الاستكبارية بكل قوة. ومازال هذا اللهب مستمراً ليحقق كل أهدافه بحول الله وقوته)([13]).

انّ المسلم بوعيه الحضاري لا يتردد في طريق بناء جسور الوحدة والتقريب مهما واجه من عقد واحباطات وحرب ضروس. ان هذه الرسالة مقدسة وبها تتحقق آمال هذا الدين وتطلعات هذه الشعوب المحرومة (ان الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص)([14]).

والحمد لله رب العالمين.



(1) من مقال الشيخ المعزي رئيس المركز الإسلامي في المؤتمر الدولي الخامس للتقريب بين المذاهب الإسلامية – لندن 1/10/2011م.

(2) من حديث للشيخ نعيم قاسم في مؤتمر الصحوة الإسلامية في طهران بتاريخ 17/9/2011م.

(1) من بحث الشيخ الدكتور محمد مهدي التسخيري الذي قدمه إلى المؤتمر الدولي الخامس للتقريب بين المذاهب الإسلامية في لندن 1/10/2011م.

(1) من مقال بعنوان (مفهوم الشرق الاوسط الجديد) بقلم الدكتور خالد نايف الهباس، جريدة (عكاظ)، العدد 1880 بتاريخ 10/8/2006م.

(1) الدكتور كمال الهلباوي، في بحثه الذي قدمه في المؤتمر الدولي الخامس للتقريب بين المذاهب الإسلامية في لندن 1/10/2011م.

 (1) مجلة المختار (مجلة شهرية تصدر عن المجلس السياسي لحركة مجتمع السلم)، ببعض التصرف.

(1) سورة المؤمنون: 52.

(2) من مقال: دور المؤسسات الدينية ومسوؤلية علماء الإسلام، للكاتب سعيد بنسعيد العلوي، صحيفة (الشرق ا لاوسط) العدد 9467، بتاريخ 29/10/2004م.

(1) راجع بحث الدكتورة مريم آيت أحمد، الذي أرسلته إلى المؤتمر الدولي الخامس للتقريب يبن المذاهب الإسلامية في لندن اكتوبر 2011م.

(2) راجع المصدر السابق نفسه.

(1) سورة سبأ: 24.

(1) نص من حديث قائد الثورة الإسلامية في ايران سماحة الامام السيد الخامنئي في مؤتمر الصحوة الإسلامية في طهران بتاريخ 17/9/2011م.

(1) من بحث آية الله الشيخ محمد علي التسخيري الذي قدمه إلى المؤتمر الدولي الخامس للتقريب بين المذاهب الإسلامية في لندن 1/10/2011م.

(2) سورة الصف: 4.