الزيارة؛

مكانٌ للتقرّب إلى الله، لا للابتعاد عن عباد الله!

مكانٌ للتقرّب إلى الله، لا للابتعاد عن عباد الله!

لا تُختزل الزيارة في الثقافة الإسلامية في مجرّد الحضور في مكان مقدّس وقراءة مجموعة من الأدعية والزيارات، بل هي «رحلةٌ أخلاقية» وفرصة لإعادة بناء علاقة الإنسان بالله، وبأوليائه، وبسائر الناس. ومن هنا، فإنّ آداب الزيارة في منظومة المعارف الإسلامية لا تقتصر على كيفية ارتباط الزائر بصاحب المقام، بل تشمل كذلك طريقة تعامله مع سائر الزائرين، وخَدَمة المراقد، وأهل المدينة، والمحتاجين، بل وحتى الذين يختلفون معه في معتقداتهم أو مذاهبهم أو توجّهاتهم الاجتماعية والسياسية.

ومن هذا المنطلق، ينبغي أن يظلّ سؤال مهمّ حاضراً في ذهن الزائر: هل يمكن للإنسان أن ينطلق لزيارة وليٍّ من أولياء الله، ثم ينتهك في طريق هذه الزيارة حقّاً من حقوق عباد الله؟

إنّ تعاليم الإسلام واضحة في هذا الشأن. فلا يمكن أن تكون الزيارة ذريعةً إلى تضييع حقوق الناس، أو إيذاء الآخرين، أو الإساءة إلى مقدّساتهم، أو إهانة أتباع المذاهب والأديان، أو تحويل الأجواء الروحية للزيارة إلى ساحة لتفريغ مشاعر الغضب السياسي والطائفي. فإذا كان الهدف من الزيارة هو التقرّب إلى الله وتجديد العهد مع أوليائه، فينبغي أن تنسجم سلوكيات الزائر مع هذا الهدف.

الزيارة تبدأ منذ لحظة مغادرة المنزل

من الأخطاء الشائعة حصر الزيارة في لحظة دخول الحرم أو الوصول إلى الضريح، في حين أنّ حقيقة الزيارة تبدأ منذ اللحظة التي يتحرّك فيها الإنسان بنيّة الزيارة. ولذلك ينبغي البحث عن أخلاق الزيارة في جميع مراحل الطريق: في كيفية القيادة، وطريقة التعامل مع الناس، ومراعاة حقوق الرفاق، والتعامل مع خَدَمة المراقد، والمحافظة على النظافة، والالتزام بالنظام، ومراعاة راحة الآخرين، بل وحتى في طريقة الحديث.

وقد أكّدت الروايات ومصادر آداب الزيارة أموراً من قبيل خفض الصوت، واجتناب الكلام اللغو، ومراعاة أحوال سائر الزائرين. وهذا يدلّ على أنّ حتى مستوى صوت الإنسان قد يكون جزءاً من حقوق الآخرين. فالزائر الذي جاء إلى المكان المقدّس طلباً للخلوة مع الله أو مع وليّه، من حقّه أن يجد في أجواء الزيارة قدراً من السكينة والطمأنينة.

ومن ثمّ، فإذا كان رفع الصوت، أو إحداث الازدحام، أو الاستئثار طويلاً بمكان الزيارة، أو دفع الآخرين، أو عدم الالتزام بالنظام، يؤدّي إلى انتهاك حق زائر آخر، فلا يمكن تبرير ذلك تحت عنوان «شوق الزيارة».

فالزيارة الحقيقية تبدأ من اللحظة التي يدرك فيها الإنسان، إلى جانب حق الله، حقوق عباد الله أيضاً.

حرمة المقام المقدّس تشمل احترام الإنسان أيضاً

من القضايا المهمة التي ينبغي الحديث عنها اليوم بقدر أكبر من الصراحة، مسألة الإساءة إلى أتباع المذاهب والأديان أثناء الزيارة.

فقد يتوهّم بعض الأشخاص أنّ وجودهم في الحرم أو في تجمع ديني يمنحهم الحق في الحديث عن أتباع مذهب أو دين آخر بلغة تنطوي على الإهانة. وقد تتحوّل بعض الخلافات السياسية أو المذهبية، في مناسبات مثل الأربعين، إلى ذريعة للإساءة إلى جماعات أو تيارات تختلف في مواقفها مع الآخرين.

وهذا السلوك لا ينسجم مع الأخلاق الإسلامية فحسب، بل يتعارض في الأساس مع فلسفة الحضور في مثل هذه الأماكن المقدّسة.

فالمفترض أن تجعل أجواء الزيارة الإنسان أقرب إلى الله؛ فإذا كانت نتيجة الحضور في مكان مقدّس هي زيادة الكراهية، وإهانة الآخرين، وتأجيج الخلافات المذهبية، وإنتاج خطاب مسيء، فإنّ ذلك يستدعي إعادة النظر في كيفية أدائنا للزيارة وفهمنا لحقيقتها.

إنّ حرمة الحرم لا تقتصر على حرمة جدرانه وضريحه، بل تشمل كذلك حرمة الإنسان وكرامته ممن يوجدون فيه.

الاختلاف في المعتقد ليس ترخيصاً للإهانة

في الثقافة الإسلامية، يمكن للإنسان أن يختلف مع معتقد ما، وأن ينتقده، وأن يناقش الأخطاء الفكرية والتاريخية لأي تيار مناقشةً علميةً قائمة على الدليل؛ غير أنّ نقد الفكرة ليس هو إهانة الإنسان.

وتزداد أهمية هذا التفريق في البيئات الدينية. فقد يختلف المسلم الشيعي مع رؤية كلامية أو فقهية أو سياسية معينة، وقد لا يوافق المسلم السنّي على بعض الآراء الشيعية، وقد يكون لأتباع دين ما خلاف جوهري مع معتقد ديني آخر. لكنّ الاختلاف، في حدّ ذاته، لا يمنح أحداً حقّ الإهانة أو السبّ أو السخرية أو انتهاك كرامة الإنسان.

فالمجتمع الذي يريد أن يعيش في إطار الأخلاق الدينية، ينبغي أن يكون قادراً على التمييز بين «الحدود العقدية» و«الإساءة إلى الكرامة الإنسانية».

بل إنّ من أبرز علامات النضج الديني أن يستطيع الإنسان، مع محافظته على معتقداته وقناعاته، أن يصون في الوقت نفسه كرامة من يختلف معه.

الأربعين؛ أكبر فرصة لإظهار الأخلاق الإسلامية

تكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة في الأربعين. فالأربعين اليوم لم تعد مجرّد مناسبة دينية خاصة بفئة محدودة، بل تحوّلت إلى تجمع إنساني وديني وعابر للحدود، يلتقي فيه مسلمون من مذاهب مختلفة، بل وأشخاص ذوو خلفيات قومية وثقافية ووطنية متنوّعة.

وفي مثل هذا التجمع، يمكن لسلوك كل زائر أن يصنع صورة عن الإسلام، والتشيّع، ومدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، بل وعن المجتمع الإيراني في أذهان الآخرين.

ومن هنا، فإنّ كلمة مسيئة، أو شعاراً استفزازياً، أو سلوكاً ينطوي على الإهانة، قد تكون له آثار تتجاوز الشخص الذي وُجّهت إليه مباشرة. فقد يكون الإنسان الذي يلتقي بالمجتمع الشيعي أو بالمسلمين عن قرب للمرة الأولى، فيعمّم ذلك السلوك على مذهب بأكمله أو على مجتمع كامل.

وفي المقابل، يمكن للاحترام، وحسن الضيافة، والصبر، والإيثار، ومساعدة الآخرين، واحترام الاختلاف، أن تنقل رسالة أعمق بكثير من عشرات المحاضرات حول الأخلاق الإسلامية.

ويمكن للأربعين أن تكون «إعلاماً حضارياً» للتعريف بمدرسة أهل البيت (عليهم السلام)؛ غير أنّ هذه القدرة لا تتحوّل إلى واقع إلا عندما ينسجم سلوك الزائر مع رسالة الإمام الحسين (عليه السلام).

لا يمكن زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) بلغة الكراهية

من أهم دروس عاشوراء كرامة الإنسان، والتمييز بين الحق وبين السلوك المنافي للإنسانية. ففي مدرسة الإمام الحسين (عليه السلام)، لم تسقط الأخلاق حتى في ذروة المواجهة والصراع.

ومن ثمّ، لا يمكن للإنسان أن يتحدّث عن الإمام الحسين (عليه السلام) وفي الوقت نفسه يطلق لسانه بالسبّ والإهانة للآخرين؛ ولا يمكنه أن يتحدّث عن الحرية الحسينية ثم يهين مخالفه بسبب اختلاف سياسي أو مذهبي؛ ولا يمكنه أن يتحدّث عن كرامة أهل البيت (عليهم السلام) ثم يتجاهل كرامة سائر البشر.

فإذا لم تتحوّل محبّة أهل البيت (عليهم السلام) إلى سلوك أخلاقي، فإنّها قد تتحوّل إلى مجرّد ادّعاء هوياتي وشعار انتماء.

فالزيارة ينبغي أن تجعل الإنسان أكثر شبهاً بمن جاء لزيارته.

وإذا لم نعد من الزيارة أكثر صبراً، وأشدّ رحمةً، وأحسن أدباً، وأكثر إحساساً بالمسؤولية، وأشدّ حرصاً على حقوق الآخرين، فعلينا أن نعيد النظر في فهمنا لفلسفة الزيارة.

لا ننسَ حقوق سائر الزائرين

توصي مصادر آداب الزيارة بأنّه عندما يكون المكان مكتظاً بالزائرين، ينبغي لمن يقف عند الضريح أن يختصر في زيارته، حتى تتاح للآخرين فرصة الزيارة أيضاً. وهذه التوصية البسيطة تذكّرنا بمبدأ أخلاقي كبير: حتى في العبادة، لا يجوز أن نتجاهل نصيب الآخرين من المكان والحق.

ولهذا المبدأ تطبيقات كثيرة في الأربعين والزيارات التي تشهد كثافةً كبيرة من الزائرين: فلا نغلق الطريق، ولا نتوقّف في مسار حركة الآخرين، ولا نستأثر بالمساحات العامة، ولا نتجاوز حقوق الآخرين في الطوابير، ولا نرفع أصواتنا بما يزعج الآخرين، ولا ندفع غيرنا جانباً من أجل الوصول إلى مقصدنا.

فقد ينشغل الإنسان، في طريقه إلى الضريح، إلى درجة تجعله أسير التفكير في «حقّه»، فينسى «حقّ الآخر»؛ مع أنّ أخلاق الزيارة تُختبر تحديداً في مثل هذه اللحظة.

خادم الحرم ليس خادماً لنا؛ بل مؤتمن على خدمة الزائر

إنّ احترام خَدَمة المراقد والعاملين فيها جزء من أخلاق الزيارة أيضاً. فقد لا يتمكّن خادم الحرم من تلبية طلبنا، أو قد يذكّرنا بضابط أو قيد معين، أو يكون مسؤولاً عن تنظيم حركة الزائرين. وليس في شيء من ذلك ما يبرّر الإساءة إليه.

فقد يدخل الزائر الحرم بنيّة روحية، ثم يغضب بسبب ملاحظة بسيطة من أحد الخَدَمة، ويردّ عليه بألفاظ غير لائقة. وهنا يظهر تناقض واضح بين النيّة والسلوك.

فإذا كانت الزيارة يفترض أن تسهم في إصلاح أخلاقنا، فلعلّ أول اختبار لها يكون في اللحظة التي يوجّه إلينا فيها شخصٌ ملاحظةً تخالف رغبتنا.

حتى أهل المدينة المضيفة لهم حقوق

ولا تقتصر أخلاق الزيارة على العلاقة بين الزائرين. فأهل المدينة المضيفة جزء من هذه المنظومة الأخلاقية أيضاً.

وعلى الزائر أن يحترم البيئة، والممتلكات العامة، والمناطق السكنية، والنظام الحضري، وحقوق أصحاب المتاجر، والمرافق العامة، وراحة السكان المحليين. فإذا أدّت الزيارة إلى إزعاج الناس، أو الإضرار بالممتلكات العامة، أو زيادة الفوضى، فلا يمكن تبرير ذلك لمجرّد كونه «خدمةً للزائرين» أو نتيجةً لـ«شوق الزيارة».

ففي الثقافة الإسلامية، كون الإنسان ضيفاً لا يعني أن يكون غير مسؤول؛ بل إنّ الضيف الصالح هو من يكون حضوره مصدر راحة وخير لمضيفه.

محبّة أهل البيت (عليهم السلام) ينبغي أن تتحوّل إلى محبّة اجتماعية

من أهمّ طاقات الزيارة قدرتها على إيجاد روابط بين المؤمنين. ونقرأ في زيارة عاشوراء:

«إِنِّي سِلْمٌ لِمَنْ سَالَمَكُمْ، وَحَرْبٌ لِمَنْ حَارَبَكُمْ».

غير أنّ فهم هذه العبارة يحتاج إلى قدر من الدقة. فلا ينبغي أن تتحوّل إلى ذريعة لجعل فضاء الزيارة ساحةً للعداء مع كلّ من يختلف معنا سياسياً أو مذهبياً. فمحبّة أهل البيت (عليهم السلام) ينبغي أن تُفهم ضمن منظومتهم الأخلاقية والعقلانية، لا من خلال قراءة تكون نتيجتها زيادة الكراهية والنفور وتعميق الفجوة بين المسلمين.

فإذا كانت زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) تهدف إلى تقريب الإنسان من الإمام، فينبغي أن يظهر هذا القرب أيضاً في سلوكه الاجتماعي: في احترام الإنسان، ومساعدة المحتاج، واحترام الاختلاف، وحفظ اللسان، واجتناب إيذاء الآخرين.

الزيارة؛ مدرسةٌ للتدرّب على «حقوق الناس»

ولعلّ أهمّ ما يمكن استخلاصه من آداب الزيارة يتلخّص في عبارة واحدة:

العبادة التي لا تقترن بمراعاة حقوق الآخرين لا تنسجم مع حقيقة التديّن.

قد يقضي الإنسان ساعات في الدعاء وقراءة الزيارة، وقد ينذر ويقدّم النذور، ويتحمّل في سبيل الزيارة مشقّات وتكاليف كبيرة؛ لكن إذا أساء في الطريق إلى شخص، أو انتهك حقّاً من حقوق الآخرين، أو تسبّب في إيذائهم، أو تجاهل كرامة إنسان بسبب اختلافه المذهبي أو السياسي، فعليه أن يدرك أنّه لا يزال بعيداً عن أحد أهم دروس الزيارة.

فالزيارة الحقيقية ليست مجرّد انتقال من مدينة إلى أخرى؛ بل هي انتقال من الأنانية إلى المسؤولية، ومن العنف اللفظي إلى التسامح، ومن التعصّب إلى المعرفة، ومن اللامبالاة تجاه الآخرين إلى الشعور بالمسؤولية تجاه حقوق الناس.

ويُروى عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام):

«أعرفُ الناسِ بحقوقِ إخوانِه وأشدُّهم قضاءً لها أعظمُهم عند الله شأناً».

ويمكن أن تكون هذه الكلمة معياراً من معايير تقييم زيارتنا أيضاً.

الزيارة التي ينبغي أن نعود منها

لعلّه من المفيد، قبل كل زيارة، ألا نكتفي بسؤال أنفسنا: «كيف أؤدّي الزيارة بصورة أكبر؟»، بل نطرح على أنفسنا أسئلة أخرى أيضاً:

هل آذيتُ أحداً في هذه الرحلة؟

هل تجاهلتُ حقّ زائر آخر؟

هل أسأتُ إلى أحد خَدَمة الحرم؟

هل أزعجتُ الآخرين برفع صوتي وأفسدتُ على غيري أجواءه الروحية؟

هل أهنْتُ إنساناً بسبب اختلافه المذهبي أو القومي أو السياسي؟

هل كان وجودي بين أهل المدينة المضيفة مصدر خير وراحة لهم، أم سبّب لهم الإزعاج والمشقّة؟

والأهم من ذلك كله:

هل أصبحتُ بعد هذه الزيارة إنساناً أفضل؟

فإذا أدّت زيارتنا إلى مزيد من مراعاة حقوق الناس، وضبط اللسان، وتعزيز التسامح، واحترام أتباع المذاهب والأديان الأخرى، ومساعدة المحتاجين، وتقوية أواصر المحبة بين المؤمنين، أمكن القول إنّ الزيارة قد تجاوزت مستوى الشعيرة التعبدية لتتحوّل إلى تجربة روحية وأخلاقية حقيقية.

ينبغي أن تكون مراقد أهل البيت (عليهم السلام) أماكن للسكينة والمعرفة والمحبة والكرامة، لا ساحات للإهانة والتحقير وإعادة إنتاج الخلافات.

نذهب إلى الزيارة لكي نقترب من الله؛ ومن أوضح علامات هذا القرب أن يكون عباد الله أكثر أمناً من ألسنتنا وأفعالنا.

وفي النهاية، يمكن تلخيص أخلاق الزيارة في جملة واحدة:

من يخرج لزيارة وليٍّ من أولياء الله، فعليه أن يحرص، وهو في طريقه إليه، على ألّا ينتهك حقّاً من حقوق أيٍّ من عباد الله.