في كلمته خلال الحفل الختامي لمؤتمر الوحدة الـ 40؛
الشيخ شهرياري: خطاب الوحدة يجب أن يخرج من أروقة النقاش إلى ساحة العمل
استعرض الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية الشيخ الدكتور حميد شهرياري، النموذج الناجح للجمهورية الإسلامية الإيرانية في مسار تحقيق الوحدة الإسلامية؛ مبينا الخطوات الخمس الأساسية لهذا النموذج، وبما يشمل: "بناء المفهوم وإنتاج الرسالة"، "التنظيم وتشكيل الفريق"، و"بناء الخطاب"، و"بناء الشبكات"، و"التحفيز المجتمعي".
وأفادت وكالة انباء التقريب (تنـا) ان الدكتور شهرياري ادلى بهذا التصريح في كلمة له خلال مراسم اختتام المؤتمر الدولي الأربعين للوحدة الإسلامية، التي عقدت صباح اليوم الاحد في الروضة الرضوية المقدسة بمدينة مشهد (شرق ايران)، حيث اشار إلى الجهود المبذولة في مسار تحقيق الوحدة الإسلامية؛ موضحا في السياق النقاط الخمس وفق "النموذج الناجح الذي أسسه الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي (رض)".
وأضاف: نحن اليوم نشهد في إيران نموذجاً ناجحاً في ترسيخ وتعزيز الوحدة، وإن عقد هذا المؤتمر يُعدّ من أبرز نتائج وتجليات هذا الانجاز.
الخطوة الأولى: بناء المفهوم وإنتاج الرسالة
واشار الدكتور شهرياري الى ان الخطوة الأولى هي بناء المفهوم وإنتاج الرسالة؛ مبينا أن الرسالة المطلوبة تُنتج بمفاهيم ومصطلحات محددة، ويتم إنشاء علامات ورموز لها، بحيث عندما يُذكر مصطلح "الوحدة الإسلامية"، يكون له مكانة محددة ومعروفة في أذهان الجمهور.
واضاف: إن ذلك يستدعي بناء مفاهيميا دقيقا، بحيث تتضح مكونات الوحدة الإسلامية وأركانها وخطوات تحقيقها؛ نظرياً وعمليا.
الخطوة الثانية: التنظيم وتشكيل الفريق
وأكد الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب على أن الخطوة الثانية هي التنظيم وتشكيل الفريق، فقال: إذا أُنتجت نظرية ولكن لم توجد آلية لمتابعتها وتحقيقها في الميدان، فإن تلك النظرية لا يمكنها أن تصل إلى مرحلة التطبيق.
واستشهد فضيلته بتجربة الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي (قدس سره)، حيث أسس منظمة لتحقيق نظرية الوحدة الإسلامية، وبناء عليه تم تاسيس المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية لمتابعة هذا المفهوم.
وأشار إلى أن هناك تجارب سابقة في العالم الإسلامي مثل "دار التقريب" في مصر، لكنها توقفت لأسباب مختلفة، مؤكداً بأن تشكيل منظمة وفريق وشبكة بشرية لدفع أهداف نظرية الوحدة الإسلامية كان خطوة مهمة في هذا المسار.
الخطوة الثالثة: بناء الخطاب
ووصف الدكتور شهرياري الخطوة الثالثة بأنها بناء الخطاب، موضحاً أن السؤال الذي يطرح بعد تشكيل المنظمة هو: ما الذي ينبغي لهذه المنظمة أن تفعله؟ والجواب ان المهمة الأولى هي بناء الخطاب؛ أي أن نظرية الوحدة الإسلامية لا ينبغي أن تبقى مجرد كلام يعود الى منظّر واحد، بل يجب أن يتحدث عنها النخبة، وينتجوا محتوى، ويعيدوا قراءة وتبيين مكوناتها الأساسية.
وأشار إلى استمرارية هذا النهج من قبل قائد الثورة الإسلامية، حيث تكرر تبيين خطاب الوحدة الإسلامية على مدى عقود وفي مناسبات مختلفة، وأكد سماحته في ردّه على سؤال حول سبب التكرار المستمر لكلمة الوحدة، اكد على ضرورة المواجهة المستمرة لمحاولات الأعداء لزرع التفرقة بين المسلمين.
وأضاف: من بوادر نجاح بناء الخطاب هو أن الفكر الذي أنتجته المنظمة الوحدوية يتردد على ألسنة أشخاص لم تتحدث معهم مباشرة، وكأن الصدى يعود من الجبل؛ فإذا انتشرت رسالة وفكر في المجتمع، وبعد فترة عادت إليك من ألسنة الآخرين، فهذا يعني أن الخطاب قد تشكّل.
انتشار الخطاب في العالم الإسلامي
وأشار الامين العام للمجمع العالمي للتقريب، إلى نماذج من انتشار خطاب الوحدة الإسلامية في العالم الإسلامي، قائلا: هذا الخطاب قد تشكّل أيضاً في بعض الدول الإسلامية، ويمكننا رؤية نماذج له.
واستشهد فضيلته بتشكيل "مجلس حكماء المسلمين" في مصر عام 2014، بهدف نشر مثل هذا الخطاب بين المسلمين، مما يدل على أن خطاب التقريب والوحدة الإسلامية قد حظي باهتمام من قبل جزء من النخبة في العالم الإسلامي.
واضاف: هناك اجتماعات ومؤتمرات عقدت خلال السنوات الاخيرة في دول إسلامية مختلفة مثل مصر والسعودية وتركيا، بحضور علماء ومفكرين مسلمين، تناولت موضوعات طالما أكدنا عليها في خطاب التقريب بين المذاهب الإسلامية.
وأشار إلى عقد لقاءات في السعودية تحت عنوان "مد الجسور بين المذاهب الإسلامية"، وقال: إن الذين لم يكونوا مستعدين في الماضي للاعتراف بأتباع المذاهب الإسلامية الأخرى، يدعونهم اليوم لحضور مثل هذه اللقاءات؛ مؤكدا بانه يجب اعتبار هذا التغيير كبادرة على التحول في خطاب العالم الإسلامي.
الخطوة الرابعة: بناء الشبكات
الخطوة الرابعة، في كلمة الامين العام للمجمع العالمي للتقريب تركزت على بناء الشبكات، حيث قال: إذا اتفق العلماء فيما بينهم على الوحدة، بينما لم تؤيدها الشعوب ولم تعد قراءتها وتطبيقها في حياتهم الاجتماعية، فإن الوحدة الإسلامية لم تتحقق بالمعنى الحقيقي.
وأضاف: يجب نقل الخطاب من النخبة إلى مستوى المجتمع، ولهذا الغرض لا بد من تشكيل نواة بشرية من أشخاص يمكنهم، كوسيلة إعلامية، نقل رسالة الوحدة إلى مختلف أنحاء المجتمع والعالم.
كما أشار إلى دور تقنيات الاتصالات الحديثة، مبينا: على مدى 15 سنة الماضية، سهلت تطوير التقنيات الحديثة عملية بناء الشبكات، واليوم يمكن للأشخاص المؤثرين الذين لديهم متابعون بالملايين في الفضاء الافتراضي أن يلعبوا دوراً مهماً في نقل هذا الخطاب.
ولفت شهرياري الى انه تمت خلال المؤتمر الأربعين للوحدة الإسلامية، دعوة نحو 10 من ناشطي مواقع التواصل الاجتماعي الذين لديهم متابعون بالملايين من دول مختلفة، للمساهمة في نشر هذا الخطاب.
الخطوة الخامسة: الحركة المجتمعية او التطبيق العملي
وأكد الامين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية على أن الخطوة الخامسة هي الحركة الاجتماعية، فقال: مجرد الكلام والشرح عن الوحدة لا يكفي؛ فالوحدة الإسلامية يجب أن تُرى في ميدان العمل أيضاً.
كما قدم شرحا عن المفهوم السلبي و المفهوم الإيجابي للوحدة الإسلامية، واوضح: لتحقيق الوحدة، هناك سلسلة من الإجراءات يجب تجنبها، وسلسلة أخرى يجب القيام بها.
وفي الجانب السلبي، أشار فضيلته إلى أن الإهانة، والنزاع، والاغتيال، والتكفير، والحرب بين الدول الإسلامية هي من الأمور التي لا ينبغي أن تحدث في المجتمع الإسلامي.
واستشهد في السياق، بفتوى الإمام الشهيد (رض) حول حرمة الإساءة إلى مقدسات المذاهب الإسلامية، معتبراً أنها ذات أهمية بالغة، وأنها من العلامات البارزة في بناء مفهوم الوحدة الإسلامية.
وأكد شهرياري على أن المذاهب الإسلامية لا ينبغي أن تهين مقدسات بعضها البعض، ولا ينبغي للمسلمين أن يكفّر بعضهم بعضاً، مستشهداً بروايات الفريقين بأن من ينطق بالشهادتين فهو مسلم، وماله ودمه محترم.
وفي الجانب الإيجابي للوحدة، أوضح الدكتور شهرياري أنه "لو أردنا تحقيق الوحدة في الممارسة العملية، فعلينا أن نسير في طريق البر وخدمة أعضاء الأمة الإسلامية الآخرين، وأن ننتج ونقدم السلع والخدمات المتعلقة بهذا المفهوم".
واشار في هذا الجانب الى دعم الشعب الفلسطيني، قائلاً: عندما يعاني الشعب الفلسطيني من نقص المياه والغذاء والسكن والضغوط الاقتصادية والحصار، يجب على المجتمع الإسلامي أن يدخل الميدان لمساعدتهم. فالإمكانات المالية والموارد والطاقات البشرية في العالم الإسلامي يجب أن تصل لمساعدة المسلمين حيثما تكون هناك حاجة.
واردف قائلا: غن دعم غزة، وقبلها دعم شعب البوسنة، كان من الأمثلة التي تمت بهذه النظرة، لأن المسألة ليست مذهب الأشخاص، بل دعم الإنسان وأعضاء الأمة الإسلامية في وقت الحاجة.
الوحدة في الميدان ومقاومة الاحتلال
وقال الدكتور شهرياري في معرض حديثه عن التطورات في المنطقة والمقاومة ضد الكيان الصهيوني: أعتقد أن أحد أسباب الهجمات التي تشن على الجمهورية الإسلامية الإيرانية هو دور إيران في دعم الشعب الفلسطيني واللبناني، وسعيها لتحقيق الوحدة الإسلامية في ميدان العمل.
وأضاف: إذا بقي خطاب الوحدة الإسلامية مجرد كلام، فإن تأثيره سيكون محدوداً؛ ولكن عندما يتحول هذا الخطاب في ميدان العمل إلى دعم للشعوب المظلومة ومواجهة الظلم، فإن آثاره ستظهر بوضوح.
وأشار إلى دور الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي (رض) في دعم مقاومة فلسطين ولبنان، مؤكدا: كان في نظر الإمام الشهيد أن الشعب الفلسطيني المظلوم يجب أن يكون قادراً على الدفاع عن نفسه، وعلى هذا الأساس تشكّل محور المقاومة.
ومضى الى القول: لقد أثبتت تجربة المقاومة أن خطاب الوحدة الإسلامية يمكن أن ينتقل من المجال النظري إلى ميدان العمل، وأن يصبح نموذجاً لمواجهة الهيمنة والاستكبار.
مسئولية الشعوب والحكومات الإسلامية
وفي ختام كلمته، شدّد الشيخ شهرياري على مسئولية الشعوب والحكومات الإسلامية قبال الوحدة، فقال: اليوم، تتحمل الشعوب والحكومات الإسلامية على حد سواء مسئولية القوة وعدم إظهار الضعف.
وخاطب الضيوف الأجانب في المؤتمر الأربعين للوحدة الإسلامية قائلاً: المسار الذي قطعناه يجب أن يُتابع في البلدان الأخرى أيضاً؛ أي بناء المفهوم، والتنظيم، وبناء الخطاب، وبناء الشبكات، وأخيراً إحضار هذه الشبكة إلى ميدان العمل.
وأشار إلى أن بعض الدول قد تتوقف عند مرحلة بناء الخطاب، ولا تتمكن من تحويله إلى فعل، لكن تجربة الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتيار المقاومة أثبتت أنه يمكن نقل خطاب من المرحلة النظرية إلى ساحة العمل.
وأكد الامين العام بأن نموذج الوحدة الإسلامية في النظرية والتطبيق يمكن رؤيته في تجربة المقاومة، وهذه التجربة يمكن أن تكون مفيدة لمستقبل العالم الإسلامي.
واختتم كلمته قائلاً: ببركة دماء الشهداء والجهود المبذولة، نأمل أن ينتشر خطاب الوحدة الإسلامية في جميع أنحاء العالم، وأن تتمكن الأمة الإسلامية من مواجهة التهديدات والضغوط من الأعداء، وأن تواصل مسيرة التضامن والقوة.
