/ صفحة 87 /
لهذه الظواهر العمرانية، والشعر والنثر بعض فروعها، فإذا انساق إلى حكم من أحكام الذوق والصنعة ـ بعد ذلك ـ صدر فيه عن مشاعره النفسية.
وغلطة ابن خلدون الكبرى أنه قصر المتعة والتذوق بهذه الأشعار البدوية على من كانت له ملكة في هذا اللسان، كأنه يريد من الناس أن يطيلوا النظر في هذه الأشعار، وأن يحفظوها، ويتفهموها حتى ترسخ في أذهانهم ملكتها، ثم بعد ذلك يدركون بلاغتها، وحسبنا ذلك ضياعا؛ لأن هذا الذي ننفق فيه العمر والجهد لا يفيدنا إلا أن نتذوق هذه الأشعار، ولو أنه دعا أهل هذه اللغات البدوية أن ينفقوا وقتهم وجهدهم في تحصيل العربية وتذوقها لكانت فائدتهم أكثر، والخير عليهم أعود، فإن كانت ظروف حياتهم هي التي اضطرتهم إلى أن يبقوا على هذه اللغات، وأن ينظموا فيها أشعارهم فلندعهم وشأنهم، ولا حاجة بنا إلى النظر في بلاغتهم، لأنها ـ حينئذ ـ تفسد علينا أذواقنا العربية، أو تخدشها، ونحن إنما نجهد لننميها، لا لننقص منها.
* * *
ونترك ابن خلدون في أواخر القرن الثامن الهجري لنجيل النظر في بعض ما دبجه الكتاب، وعلماء الاجتماع، ونقاد الأدب في الاحتجاج للعامية، أو الهجوم عليها وعلى أنصارها.
وهي قضية ضافية الذيول، وقد كثر الجدل حولها، لاسيما في أيامنا هذه، ونحن سنقتصر على الجوانب البارزة فيها، وربما استخرجنا بعض الخبايا من الزوايا.
* * *
لعل بعض المنتصرين للعامية لو اطلعوا على حقيقة الدوافع عند دعاتها الأوائل في هذا العصر الذي نعيش فيه لرجعوا عن الانتصار لها، والدفاع عنها، ولأيقنوا أن دينهم الإسلامي، ولغتهم العربية الفصيحة يهيبان بهم أن يتنبهوا للسموم الخفية التي دسها هؤلاء الدعاة في دعوتهم، زاعمين ـ كما يبدو لغير المتأمل ـ أنهم يريدون خدمة الأدب، وخدمة الشعوب العربية التي لا يكاد معظم أفرادها يفهمون العربية الفصحى.
