/ صفحة 88 /
ولم أشك لحظة واحدة منذ بدأت أدرس هذه القضية أن لدعاتها الحقيقيين أهدافاً بعيدة المدى، يجهلها الكثيرون ممن يحطبون في حبالهم دون وعي، أو تقدير، أو إحساس بما وراء هذه الدعوة من أخطار، وأيقنت أن وراء هذه الدعوة أغراضاً دينية، وسياسية، وقومية، لم يشأ أن يفصح عنها دعاة العامية، بادئ ذي بدء، بل لعلهم كانوا حريصين على إخفائها إلى الأبد، ولكن سوء حظهم أطلقها على ألسنتهم، أو على ألسنة الذين لا يتحرزون من أتباعهم، وإلا فليس من المقبول ولا من المنطق أن يدعي قوم إلى ترك لغتهم التي نزل بها قرآنهم، والتي دونت بها شريعتهم، والتي توارثوها عن آبائهم وأجدادهم، بدعوى أنها لغة غير متطورة، وأنها غير مرنة، فلا تستطيع أن تفي بحاجات الآداب الجديدة، فهي غير قادرة ـ مثلاً ـ على التعبير الدقيق عن خلجات النفوس، وعن مستحدثات الصناعة في هذا العصر، أو بدعوى أن المراد من الأعمال الفنية المتعة، وهذه المتعة إنما تنشأ عن الفهم، وجمهرة الشعوب العربية لا تفهم اللغة الفصحى، أو بدعوى أن بعض الأشخاص الذين يتحدثون على المسرح لا يتكلمون اللغة الفصحى في حياتهم العادية، فليس من المقبول، ولا من الواقعية في شيء أن يتحدثوا على المسرح بهذه اللغة.
فإن لم يكن وراء هذه الدعوة إلى العامية هدف ديني أو سياسي أو قومي، فهي كما يقول الأستاذ الزيات: مرض جرثومته الجهل، وأعراضه الهذيان، ونهايته كنهاية كل مرض، إما الموت، وإما الإبلال(1).
وفي حديثنا القادم سنكشف ـ إن شاء الله ـ عن الأسرار البعيدة التي حفزت أفراداً من الأمة العربية إلى أن يحاولوا القضاء على لغتهم، ولغة قومهم.

ــــــــــ
(1) دفاع عن البلاغة: ص150.