/ صفحة 86 /
يقول إن ذلك جار على الذوق العربي، لأن صاحب الذوق ـ كما كرر هو وأكد ـ إنما يدرك، ويستحسن البلاغة التي نشأت ملكته عليها.
وفقدان الإعراب، لا يمنع البلاغة، والتخلي عن العربية جملة بالنظم بأية لغة أعجمية لا يحرم القائل من البلاغة، ولكن ليس شيئاً من ذلك بلاغة عربية.
ويبدو لي ـ مع تقديري لهذا النابغة العبقري ابن خلدون ـ أنه صدر في أحكامه هنا عن إيحاء من شعوره الباطني، فقد كان الرجل ـ على الرغم من سعة أفقه ـ متعصباً لموطنه الأصلي، ومن آية ذلك أنه كان ـ كما قال بعض من كتبوا عنه ـ يأبى أن يلبس زي القضاة ـ حين تولى القضاء في الشرق ـ ويحتفظ بزيه المغربي، وقد علل هذا الصنيع في عهده بأنه من حب المخالفة الذي كان يحرص عليه ابن خلدون، ولكن سببه ـ فيما يبدو ـ هو التعصب الباطني لكل ما هو مغربي.
* * *
وإذا التفتنا إلى الوراء قليلاً، واستحضرنا ما نقلناه عن الجاحظ رأينا الفارق الكبير بين تشدد الجاحظ، والعلماء القريبين من عهده في أمر العامية ـ فمع أن الجاحظ أباح العامية في (النكتة)، ومن الجواري الحسان نراه يرجع بعد ذلك عن فهمه في بيتي مالك بن أسماء، وبين ترخص ابن خلدون، ودفاعه عن عامية عهده، وبلاغتها، ولعل السر في ذلك ـ بعد ما قلناه ـ هو الزمن، فابن خلدون جاء بعد الجاحظ بأكثر من خمسة قرون كانت الأحداث، والرطانات والأعجميات قد تركت آثارها البالغة في لغة مضر، والجاحظ عاش في بغداد حيث علماء اللغة والنحو، وكبار الكتاب والشعراء، أما ابن خلدون فقضى ردحاً من دهره في المغرب حيث العجمة، والرطانة، وحيث يقول إنه ما كان من الشعراء المشاهير في أفريقية إلا ابن رشيق، وابن شرف، وأكثر ما يكون فيها الشعراء من الطارئين عليها.
والجاحظ وضع كتابه في البيان العربي، أما ابن خلدون فوضع مقدمته في العمران، وذكر ما يعرض فيه من العوارض الذاتية من الملك والسلطان والكسب والمعاش والصنائع والعلوم، وما إلى ذلك من العلل والأسباب، فالرجل مؤرخ