/ صفحة 85 /
ويعتقد أن ذوقه إنما نبا عنها لاستهجانها، وفقدان الإعراب منها، ثم يقول: وسبب ذلك عند هذا القائل أنه لم تحصل له ملكة من ملكاتهم، ولو حصلت له لشهد له طبعه وذوقه ببلاغتها إن كان سليماً من الآفات في فطرته ونظره(1).
* * *
ويبدو من كل ما لخصناه من كلام ابن خلدون أنه لا يرى مانعاً من استعمال لغة ملحونة، أو لغة ناقصة الإعراب، ولا لغة بينها وبين اللسان المضري اختلاف كبير في كثير من الأوضاع والتصاريف، وأن البلاغة موجودة في هذه اللغات، وينكر على من يستهجنها من أصحاب الأذواق العربية الخالصة، ويحتكم إلى الذوق السليم، والطبع القويم في كل أحكامه.
ولكن ابن خلدون غفل عن أمر بالغ الأهمية هو الذي أبدأ فيه وأعاد، وأطال القول والاستدلال؛ ذلك أنه أكد أن الذي نشأت له ملكة في لغة، واستقرت عنده، ورسخت، لا يستحسن إلا بلاغتها، ويمج كل بلاغة مخالفة لها، ولو أراد لسانه على بلاغة أخرى لما قدر عليه، فكيف ينكر على صاحب الذوق العربي الأصيل أن يستهجن هذه الأشعار، وكيف يحتكم إلى الذوق ـ وهو طبعاً يريد الذوق العربي ـ في الحكم على أدب ليس في (دائرة اختصاصه)?.
ثم كيف غاب عن ابن خلدون أن العناية باللسان لاستنباط قوانين الشريعة، وإن لم تلزم في عهده، لأنه لا يوجد علماء يمكنهم أن يجتهدوا، قد تلزم في عهد آخر، أو في قطر آخر، وأن المسلمين ـ إلى يوم القيامة ـ في حاجة إلى المحافظة على لغة مضر لهذا الغرض الذي قال ابن خلدون أنه لا تدعو إليه حاجة.
نفهم أن ابن خلدون ـ وهو يؤرخ الاجتماع والعمران ـ من حقه أن يصف ويقرر، ويتحدث عن أنواع اللغات، وأنواع الشعر في عصره، ومن حقه أن يثبت البلاغة ـ على عمومها ـ لكل هذه الألوان الأدبية؛ لأننا نؤمن معه بأن في أدب اللغات العامية بلاغة وبياناً، وأريحية، وجودة، ولكن ليس من حقه أن
ــــــــــ
(1) المصدر السابق: صفحتي 582، 583.
