/ صفحة 84 /
نعتاض عن الحركات الإعرابية في دلالتها بأمور أخرى موجودة فيه تكون بها قوانين تخصها، ولعلها تكون في أواخره على غير المنهاج الأول في لغة مضر، بل إن أهل هذا اللسان اعتاضوا عن الحركات الإعرابية في الدلالة على الفاعل والمفعول بالتقديم والتأخير، وبقرائن أخرى تدل على خصوصيات المقاصد.
4 ـ كان اللسان المضري مع اللسان الحميري بمثابة (لعغة العهد) مع اللسان المضري، ولا عبرة بمن يحمله القصور على الزعم بأن المضري والحميري لغة واحدة، فلغة حمير لغة أخرى مغايرة للغة مضر في الكثير من أوضاعها، وتصاريفها، وحركات إعرابها، كما هي لغة العرب لعهدنا مع لغة مضر.
* * *
ولا يفتأ ابن خلدون يكرر أن الإعراب لا مدخل له في البلاغة، لأن البلاغة مطابقة الكلام للمقصود، ولمقتضى الحال، وهذه المطابقة موجودة سواء كان الرفع دالاً على الفاعل، والنصب دالاً على المفعول، أو بالعكس.
ويدافع عن أشعار العرب، وأهل الأمصار لعهده، مع أهل الأمصار نشأت فيهم لغة أخرى مخالفة للغة سلفهم من مضر في الإعراب جملة، وفي كثير من الموضوعات اللغوية، وبناء الكلمات، ولكن الشعر موجود بالطبع في أهل كل لسان، سواء كان عربياً، أو أعجمياً، فقد كان في القرى شعراء، وفي يونان شعراء، وكان في حمير أيضاً شعراء متقدمون.
والعرب من أهل جيله يقرضون الشعر في سائر الأعاريض، ويأتون فيه بالمطولات مشتملة على مذاهب الشعر، وأغراضه، من النسيب والمدح والرثاء والهجاء، ويستطردون في الخروج من فن إلى فن، وربما هجموا على المقصود لأول كلامهم، وأكثر ابتدائهم في قصائدهم باسم الشاعر، ثم بعد ذلك ينسبون، ويسمى أهل المشرق من العرب هذا النوع من الشعر بالبدوي.
ولهؤلاء العرب في هذا الشعر بلاغة فائقة، وفيهم الفحول والمتأخرون، ولكن بعض العلماء ـ كما يقول ابن خلدون ـ لعهده يستنكر هذه الفنون، ويمج نظمهم،