/ صفحة 83 /
وعن مدى حاجة البلاغة إليه، فيذهب يدافع بحماس شديد عن لغة أهل عهده، وينعي على النحاة أنهم يحكمون بأن هذه اللغة لا بلاغة فيها، ويصف لغة جليلة بأنها لا تنقص شيئاً عن لغة مضر إلا الإعراب، وفقدان الإعراب لا يؤثر في الإبانة، ولا يحرم من بلاغة (وما زالت هذه البلاغة والبيان ديدن العرب، ومذهبهم لهذا العهد، ولا تلتفتن في ذلك إلى خرفشة النحاة أهل صناعة الإعراب القاصرة مداركهم عن التحقيق، حيث يزعمون أن البلاغة لهذا العهد ذهبت، وأن اللسان العربي فسد اعتباراً بما وقع في أواخر الكلم من فساد الإعراب الذي يتدارسون قوانينه، وهي مقالة دسها التشيع في طباعهم، وألقاها القصور في أفئدتهم(1).
ويذهب يصرف القول، ويعترض، ويستدل، ونلخص مناقشاته فيما يلي:
1 ـ كل مقومات اللغة المضرية موجودة في لغة (الجيل) ما عدا الإعراب؛ فالكثير من ألفاظ العرب لم تزل في موضوعاتها، والتعبير عن المقاصد، والتفاوت فيه بتفاوت الإبانة موجود في كلامهم لهذا العهد، وأساليب اللسان وفنونه من النظم والنثر موجود في مخاطباتهم، وفهم الخطيب المصقع في محافلهم ومجامعهم، والشاعر المغلق على أساليب لغتهم حاصل لهم...
ويعلن أنه لم يفقد من لسان مضر المدون إلا حركات الإعراب في أواخر الكلم، وهو بعض من أحكام اللسان.
2 ـ أن العناية إنما وقعت بلسان مضر لما فسد بمخالطة الأعاجم، وكان القرآن منزلاً به، والحديث النبوي منقولاً بلغته، وهما أصلا الدين والملة، فخشي تناسيهما وانغلاق الأفهام عنهما بفقدان اللسان الذي نزلا به، فمست الحاجة إلى وضع مقاييس، واستنباط قوانين، وسميت علم النحو، كما أن الذي دعا إلى العناية بلسان مضر هو حفظ الشريعة، فحمل ذلك العلماء على الاستنباط والاستقراء.
قال ابن خلدون: وليس عندنا لهذا العهد ما يحملنا على مثل ذلك ويدعونا إليه(2).
3 ـ من الممكن إذا اعتنينا باللسان العربي لهذا العهد، واستقرينا أحكامه أن
ــــــــــ
(1) المقدمة: ص556.ط. التجارية.
(2) المصدر السابق: ص557.
