/ صفحة 82 /
ينعت الناعتون يوزن وزنا وحديث ألذه هو مما
منطق صائب وتلحن أحياناً، وخير الحديث ما كان لحنا
هكذا فهم الجاحظ اللحن في هذين البيتين بمعنى الخطأ في المنطق، وقد روى ياقوت الحموي في معجم الأدباء أن الجاحظ رجع عن هذا الفهم، قال: حدث يحيى ابن المنجم قال: قلت للجاحظ: مثلك في علمك ومقدارك في الأدب يقول في كتابه البيان والتبيين: ويكره للجارية أن تشبه بالرجال في فصاحتها، ألا ترى إلى قول مالك بن أسماء (وذكر البيتين) فتراه من لحن الإعراب، وإنما وصفها بالظرف والفتنة، وإنما تلحن أي تورى في لفظها عن أشياء، وتتنكب ما قصدت له? فقال فظنت لذلك، قلت: فغيره، قال: فكيف لي بما سارت به الركبان? فهو في كتابه على خطئه(2).
وذكر أبو علي القالي في كتابه (الأمالي) هذا المعنى الأخير للحن، ونسبه إلى أبي بكر بن دريد، ونسب معنى إلى ابن الأعرابي، وهو أن اللحن في هذا النص مغناه الإصابة، فيكون المعنى: منطق صائب، وتصيب أحياناً!.
غير أن ياقوت نقل انتصار أبي حيان للتفسير الذي ذهب إليه الجاحظ أولاً، ثم رجع عنه، وذلك حيث يقول أبو حيان: وعندي أن المسألة محتملة للكلام، لأن مقابل المنطق الصائب المنطق الملحون، واللحن من الغواني والفتيات غير منكر، ولا مكروه، بل يستحب ذلك، لأنه بالتأنيث أشبه، وللشهوة أدعى، ومع الغزل أجرى، والإعراب جد، وليس الجد من التغزل، والتعشق، والنشاجي في شيء.
وهذا ـ عندي ـ كلام حسن، وهو أشبه بهذا الشاعر الغزل مالك بن أسماء، مع مناسبته للمقابلة (منطق صائب).
ولا أدري ـ إذا كانت الحكاية صحيحة ـ ما الذي حمل الجاحظ على التنكر لهذا التفسير، والإقرار على نفسه بالخطأ في فهم الخطأ من اللحن?.
* * *
ثم نطوي القرون لنقف عند ابن خلدون في مقدمته فنجده يتحدث عن الإعراب،
ــــــــــ
(1) البيان والتبين ج1 ص146.ط. الخانجي سنة 1961 م.
(2) ج16 ص90.ط. المأمون.
