/ صفحة 79 /
وليس متحيزاً في مكان أو جهة، وهو سبحانه الصمد، أي السيد الذي ليس فوقه سيد، والذي يصمد إليه ويقصد في الحوائج والمطالب، فهو الغني المطلق الذي لا يحتاج إلى شيء ويحتاج إليه كل شيء، والمقصود الذي يقصده كل كائن لإمداده بما يحتاج إليه في وجوده وبقائه، سواء كان قصداً إرادياً أو طبيعياً أو استعدادياً، فكل شيء متجه بإرادته أو بطبيعته أو باستعداده إلى الله تعالى، في طلب حوائجه وكمالاته منه جل جلاله (لم يلد ولم يولد) أي لم يلد أحداً، لأن الوالدية تستلزم التركيب والمجانسة، لأن الولد جزء من أبيه ومجانس له في ذاته وصفاته، والله تعالى منزه عن التركيب والمجانسة والمماثلة، ولم يلده أحد، لأن المولودية تستلزم التركيب والمجانسة، والحدوث وسبق العدم، والله تعالى منزه عن ذلك كله، فهو واجب الوجود الذي لا أول لوجوده ولا آخر لبقائه (ولم يكن له كفواً أحد) أي ليس أحد كافئاً ومماثلاً له في ذاته وصفاته وأفعاله، وقوله تعالى في سورة الحديد: (هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم) أي السابق على جميع الموجودات بلا بداية، والباقي بعد فنائها بلا نهاية، والظاهر وجوده في بدائع الكائنات، والمحتجب بذاته تعالى عن إدراك الحواس والعقول، وهو بكل شيء عليم.
فالله جل جلاله منزه عن الوالدية والمولودية، والتركيب والتجسيم، والتحيز والاحتياج، وسابقية العدم ولاحقية الفناء، وسائر صفات الحوادث، وكل ما لا يليق بذاته العلية، قائم بنفسه في الأزل(1)، وفي الأبد، أي منزه عن الأحياز والأزمان، فلا يحده مقدار، ولا تحويه أقطار، ولا تحيط به جهات، ولا تكتنفه الأرض والسموات، ولا تجري عليه الأزمان والأوقات، أزلى، أي لا أول لوجوده ولا بداية، أبدى، أي لا آخر لبقائه ولا نهاية، فوجوده عز وجل لا يسبقه عدم، وبقاؤه تعالى لا يلحقه فناء.
ــــــــــ
(1) الأزل: هو استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب الماضي، والأبد: هو استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب المستقبل.
