/ صفحة 80 /
ولم تقف عناية الإسلام بعقائد التنزيه والتقديس عند تقريرها وتفصيل أصولها، بل حاطها بسياج من الاحتياط وسلامة الاعتقاد، والتحفظ والاعتدال في النظر والتفكير، وسد على الوهم والخيال منافذ التشبيه ومسالك الزلل، كما في قوله تعالى في سورة الأنعام: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير).
وفي سورة طه: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علماً) وفي سورة الشورى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) إلى غير ذلك من الآيات التي تقرر أن الله جل جلاله قد احتجب عن العقول كما احتجب عن الحواس، وتعالت ذاته العلية عن الإحاطة والإدراك، وتنزهت صفاته القدسية عن المشابهة والمماثلة، كما يشير إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله قد احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار، وإن الملأ الأعلى ليطلبونه كما تطلبونه أنتم) فأقصى ما تدركه العقول والأبصار من شئون ذاته العلية، إنما هو أسماؤه الحسنى وصفاته العليا، ومظاهرها وآثارها التي تجلت في بدائع الكائنات وعجائب المخلوقات، كما يشير إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (تفكروا في مخلوقات الله ولا تتفكروا في ذاته) وفي ذلك يقول بعضهم:
وفي ذات الإله دع التفكر تبصر حيث كان لك التبصر
تأمل في نبات الأرض وانظر وإن ترد المهيمن حين تذكر
إلى آثار ما صنع المليك
وأفكار الخلائق حائرات فأنوار الميهمن ساطعات
أصول من لجين زاهرات ولكن الأدلة واضحات
على أغصانها ذهب سبيك
وألوان لعينك مدهشات رياض مونقات منعشات
على قضب الزبرجد شاهدات وأغصان تسرك ناضرات
بأن الله ليس له شريك
(يتبع)