/ صفحة 77 /
وفي سورة يونس: (قل من يرزقكم من السماء والأرض، أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ومن يدبر الأمر، فسيقولون الله، فقل أفلا تتقون، فذالكم الله ربكم الحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال، فأنى تصرفون).
فانظر إلى روعة هذا الحجاج القرآني وقوته، يسألهم الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، عمن خلق السموات والأرض، وسخر الشمس والقمر،و من يرزقهم من السما؟ و الأرض , ومن يملك الأسماع والأبصار خلقاً وحفظاً، ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، ومن يدبر أمر الكائنات كلها، يخبر تعالى ـ وهو العليم بما في سرائرهم ـ بأنهم سيجيبون بما هو معلوم لهم ومركوز في فطرهم، ويعترفون بإسناد ذلك كله إلى الله وحده، ثم يقيم الحجة عليهم بمقتضى اعترافهم وتسليمهم، ويحكم عليهم حلقات الأفحام والإلزام، ويبكتهم على انصرافهم عن الإيمان والتوحيد مع قيام البرهان، وتماديهم في الشرك والضلال مع اعترافهم بالحق وقيام الحجة عليهم، يقول عز وجل: (فذالكم الله ربكم، الحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال، فأنى تصرفون) ولا يخفي ما في هذا الحجاج القائم على ودائع الفطرة والوجدان، من الإبداع في تصريف وجوه الإقناع والإلزام، وقوة التأثير في القلوب، والاتصال بأعماق النفوس.
(النوع الرابع) الأساليب التي تطالب الناس بتحكيم عقولهم ومراجعة ضمائرهم فيما عرضته عليهم من شئون الخلق والإيجاد والتدبير، كقوله تعالى في سورة النمل:
(أمن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماءً فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها، أإله مع الله، بل هم قوم يعدلون(1)، أمن جعل الأرض قراراً وجعل خلالها أنهاراً، وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزاً، أإله مع الله، بل أكثرهم لا يعلمون، أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض، أإله مع الله، قليلاً ما تذكرون، أمن يهديكم في ظلمات
ــــــــــ
(1) أي يساوون بالله تعالى غيره ـ من العدل بمعنى المساواة ـ أو يعدلون عن الحق. الواضح وهو التوحيد، إلى الباطل البين وهو ??? ـ من العدل بمعنى الميل والإنحراف.
