/ صفحة 76 /
عاجزاً مغلوباً على أمره، أو مقهوراً لسلطان غيره وخاضعاً لإرادته، لمنافاة ذلك الصفات الألوهية والربوبية، فلو كان مع الله آلهة كما يزعم القائلون بتعدد الآلهة، لوقع التنازع والتصادم بينهم في الأفعال والإرادات، والنفوذ والسلطان، ولذهب كل إله بما خلق، واستقل بتدبير أموره وتصريف شئونه، ومنع غيره من الإستيلاء عليه أو التصرف في شئونه، ولعلا بعضهم على بعض بالقهر والغلبة وتنازع النفوس والسلطان، ولطلبوا سبيلاً للوصول إلى صاحب العرش وهو الله جل جلاله، الذي أخبر على ألسنة رسله بأنه هو مالك الملك وحده، ليقالتوه وينازعوه الملك والسلطان والنفوذ.
ولو حصل شيء من ذلك لفسدت عوالم السموات والأرض، واضطرب نظام سيرها وتدبير شئونها، وانقطع ما بينها من روابط صلاحها وانتظام أمورها، واختل النظام الكوني الذي ينظم هذه الروابط التي لا صلاح للعوالم الكونية ولا بقاء لها بدونها، لكن فساد السموات والأرض وما فيهما من العوالم معلوم الانتفاء بالمشاهدة، فإن العوالم الكونية قائمة على أكمل ما يكون الإبداع والإحكام، وسائرة على نظام كوني واحد يسيرها ويصرف شئونها، وينظم قوانين التعاون بين العوالم السماوية والعوالم الأرضية.
وانتفاء فساد العوالم الكونية اللازم لتعدد الآلهة، يستلزم بالبداهة انتفاء ملزومه، وهو وجود آلهة مع الله تعالى كما يزعمون، لأن انتفاء اللازم يستلزم انتفاء الملزوم قطعاً، فثبت بهذا ثبوتاً قطعياً، أن الله تعالى إله واحد لا شريك له في الألوهية ولا مثيل له في الربوبية، وأن كل شيء في الوجود خاضع لسلطانه وقهره، وسائر بتدبيره وتصريفه، وملحوظ بعنايته ورعايته، وقائم على مشيئته وإرادته، فلا إله غيره ولا رب سواه، سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً.
(النوع الثالث) الأساليب التي تحيل المخاطبين على ما هو مركوز في فطرهم وسرائرهم، لتقيم الحجة عليهم بما يعترفون به في قرارة نفوسهم، وما يعلمونه حق العلم بوحي فطرهم وأحاسيسهم، كقوله تعالى في سورة العنكبوت: (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض، وسخر الشمس والقمر، ليقولن الله، فأنى يؤفكون).