/ صفحة 75 /
إلى أفق الإيمان والتوحيد، لأنهم يجدون فيه تجاوباً مع أحاسيسهم ومشاعرهم، وتفسيراً لما هو كامن في فطرهم وضمائرهم، ونوراً لعقولهم، وحياة لقلوبهم، وإن كان قائماً على بواعث حب الاستطلاع والكشف عن أسرار الكائنات وخواصها، لتسخيرها في جلب المنافع المادية وتحقيق المطالب الدنيوية البحتة، والاستعانة بها على الطغيان والسيطرة على الشعوب والأمم، واستغلال مواردها وامتصاص دمائها، فإن هذا النظر القائم على البواعث المادية البحتة، يقف بأصحابه عند حدود هذه المقاصد والأعراض، ولا يرقى بعقولهم وأفهامهم إلى أفق الإيمان والتوحيد، لأن ذلك خارج عن محيط نظرهم وتفكيرهم، وبعيد عن مجالات أغراضهم ومقاصدهم، كما شير إلى ذلك قول الله تعالى في سورة غافر: (فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون) وفي سورة الروم: (يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون) وفي سورة النجم: (فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ول يرد إلا الحياة الدنيا، ذلك مبلغهم من العلم، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى).
النوع الثاني: الأساليب التي تقيم البراهين العقلية على وحدانية الله عز وجل، وأنه تعالى لا إله غيره ولا رب سواه، كقوله تعالى في سورة المؤمنون: (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله، إذاً لذهب كل إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض، سبحان الله عما يصفون) وفي سورة الإسراء: (قل لو كان معه آلهة كما يقولون، إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا، سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً) وفي سورة الأنبياء: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون).
فإن من القضايا التي تضافر عليها العقل والعلم والمشاهدة، أن عوالم السموات والأرض مرتبط بعضها ببعض من جهة صلاحها وبقائها، وانتظام سيرها وتدبير أمورها، وقائمة على نظام كوني عام ينظم هذه الروابط التي لا صلاح ولا بقاء لها بدونها وأن الخلق والإيجاد، والقهر والغلبة، ونفوذ السلطان والإرادة، هي من خص شئون الألوهية وصفات الربوبية، فلا يجوز في حكم العقل أن يكون الإله