/ صفحة 74 /
في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم
يحسبون صنعاً، أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه، فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً، وذلك جزاؤهم جهنم بما كفوا واتخذوا آياتي ورسلي هزواً).
فأولئك وقفوا من آيات الله موقف الغفلة والجهل والإعراض، وهؤلاء وقفوا منها موقف الغرور والجحود والكفران، وفي ذلك يقول بعضهم:
وذا الكون سفر واضح وهو كاتبه يقولون أين الله أين عجائبه
ويبدون ما تلك القلوب تكذبه يشكون والإيمان ملء قلوبهم
إذا ما بدت أقماره وكواكبه فأي امرئ في الجو يرسل طرفه
وهذي حواشيه وهذي مواكبه وليس يقول: الله في عرش مجده
إذا راقب الأزهار وهي تراقبه وأي امرئ ما سبح الله مرة
ولكن جهل المرء لا شك غالبه عجائب ربي في الأنام عظيمة
فإن قال قائل: إذا كان النظر في ملكوت السمات والأرض يهدي إلى معرفة خالق الكون ومبدعه، والإيمان القلبي بألوهيته وربوبيته، فما بال كثير ممن عنوا بدراسة العوالم الكونية، ووقفوا على كثير من أسرارها وخواصها، ينكرون العوالم الغيبية والأديان السماوية، ولا يؤمنون إلا بالقوى المادية والنواميس الطبيعية، بل كلما توسعوا في الدراسات الكونية استحوذ عليهم الغرور العلمي، وتوغلوا في مجاهل الإلحاد وإنكار وجود الله جل جلاله، وزاد افتتانهم بالحياة الدنيا ووقفوا عند حدودها، وفرحوا بما عندهم من علوم الدنيا وأقبلوا عليها، استخفوا بعلوم الآخرة وأعرضوا عنها.
قلنا: سر ذلك أن النظر في عوالم الكون تختلف آثاره باختلاف دوافعه وبواعثه، فإن كان قائماً على بواعث وحي الفطرة والوجدان، وشوق النفوس وحنينها إلى معرفة خالق الكون ومبدعه، والاستجابه لدعوة الدين، ومطالبته بالنظر في ملكوت المسوات والأرض، فإن هذا النظر القائم على بواعث الدين الفطري والدين التعليمي، يسمو بأصحابه إلى الملأ الأعلى، ويرقى بعقولهم وأفهامهم