/ صفحة 73 /
وإذا كانت سفينة المحيط المحدود في أبعاده ونهاياته، لا يمكن أن تسير فيه سيراً منتظماً بغير ربان ماهر يسيرها، ويرعى سيرها ويوجهها إلى الغاية التي رسمت لسيرها فإنه لا يمكن بالبداهة أن تسير سفينة الكون كله في هذا المحيط الذي لا تعرف له حدود ولا نهايات، بغير رب قادر يسيرها ويدبر أمورها ويصرف شئونها، ويرعاها في سيرها بالعين الساهرة حتى تبلغ بعوالمها الغاية التي خلقت لأجلها.
فطريق الوصول إلى معرفة الله والإيمان به واضح المعالم قريب المنال، متى صلحت القلوب واستنارت البصائر، وتحررت النفوس من ظلمة الجهل وطغيان الهوى، واستقامت العقول في نظرها وتفكيرها واتجهت بمقاصدها إلى طلب الحق والكمال وصحة الاعتقاد، وخضعت في أحكامها لدلالة الحجة والبرهان، واستجابت في تفكيرها لوحي الفطرة والوجدان، فإن وجود الله تعالى ماثل أمام العقول في جميع الكائنات، والإحساس بألوهيته وربوبيته كامن في أعماق النفوس، والشعور بعظمته وجلاله منبت في حنايا الضلوع، ولكن أكثر الناس ضلوا عن هذه الحقائق وهي على كثب منهم.
فريق حجبه إلف العادة أو ظلمة الجهل والتقليد الأعمى عن الاستماع لوحي الفطرة والوجدان، والنظر في آيات الله الكونية التي تحيط بهم وهم عنها غافلون، وتطالعهم بدلائلها في كل لحظة وهم عنها معرضون، كما قال تعالى في سورة يونس:
(وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون) وفي سورة يوسف: (وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون).
وفريق حجبه عن هذه الحقائق مرض القلوب، واعتلال البصائر، وانحراف العقول في نظرها وتفكيرها، والخضوع لسيطرة الأهواء وطغيانها، والإقبال علي شئون الدنيا، والإعراض عن شئون الآخرة، ففرحوا بالحياة الدنيا، وكفروا بآيات ربهم ولقائه، وضل سعيهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً كما يشير إلى ذلك قول الله تعالى في سورة الرعد: (وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع) وفي سورة الكهف قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا، الذين ضل سعيهم
