/ صفحة 72 /
بحمد خالقها ومبدعها، كما قال جل جلاله في سورة الإسراء: (تسبح له السموات والأرض ومن فيهن، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليماً غفوراً).
أو تدبر قول الله عز وجل في سورة الواقعة: (فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم) وفي سورة الحاقة: (فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون وأدرك ما في هذا القسم الإلهي من توجيه للنظر، وإيقاظ للفكر، وإثارة للعبر، وتنويه بشأن هذه المواقع التي أقسم الله بها، وما فيها من الدلائل على عظمة المبدع وجلال الخالق، وأخذ يفكر في عظم هذه المواقع التي أعظم الله شأن القسم بها، ويسائل نفسه عن مدى هذه العوالم التي لا نبصرها ولا نعلمها، وعرف أن منها ما يحيط بنا ويشاركنا في وجودنا وحياتنا، ولكنها لا تزال محجوبة عن العلم على رغم اتساع وتقدمه، ومنها ما يغيب عنها وراء حجب الغيب وأبعاد الفضاء، فلا تدركها الأبصار، ولا تحيط بعظمتها العقول والأفهام، إذ لا يحيط بالعوالم الكونية إلا الذي خلقها وأبدعها.
إذا هدى الإنسان إلى كل هذه الأنظار أو إلى بعضها، فإنه يجد نفسه منساقة بدافع قوى من عقله وفكره، وجاذب شديد من ضميره ووجدانه، إلى الإيمان بوجود الصانع المقتدر الذي خلق هذه العوالم الكونية بقدرته ومشيئته، العليم الخبير الذي أحكم تقديرها وتنظيمها بعلمه وإرادته، المدبر الحكيم الذي يدبر أمورها ويصرف شئونها بحكمته ورعايته، لأنه إذا كانت مصنوعاتنا لا يمكن بالبداهة أن تخرج إلى عالم الوجود متماسكة الأجزاء والحلقات، بديعة الإتقان والإحكام، جامعة لعناصر الوجود ووسائل البقاء، مستكملة لجوانب الوفاء بالمقاصد التي صنعت لأجلها، إلا إذا كانت صادرة عن صانع ماهر صنعها وأحسن صنعها، ومنظم خبير نظمها واحكم تنظيمها، فإنه لا يمكن بالبداهة أن يوجد هذا الكون العظيم على هذا النظام البديع المحكم، وأن يبقى سائراً في وجوده على هذا النظام والإحكام، إلا إذا كان صادراً عن صانع قدير صنعه بقدرته ومشيئته، وأحكم تقديره وتنظيمه بعلمه وإرادته، ومدبر حيكم يدبر أموره ويصرف شئونه بحكمته ورعايته.
