/ صفحة 71 /
في قرار مكين، ثم جعل النطفة علقة، ثم جعل العلقة مضغة، ثم جعل المضغة عظاماً وعصباً ولحماً، ثم أنشأه بشراً سوياً كامل البنية والحواس، معتدل الخلقة بديع التركيب والصورة، وجعله إنساناً ناطقاً مفكراً، يزداد علي الأيام قوة ونماء، وعلى السن عقلاً وتفكيراً، وفيما أجراه عليه في نشأته وحياته من أطوار الطفولة والشبيبة، والكهولة والشيخوخة، ثم هو في جميع هذه الأطوار مشمول بالعناية الإلهية، والرعاية الربانية.
أو انظر إلى الأرض كيف جعلها الله فراشاً ومهادا، وفجر فيها العيون وأجرى الأنهار، وأنبت فيها الزروع والنخيل والأشجار، وكيف جعلها مختلفة في أحجامها وأشكالها وألوانها، وفي عناصرها وثمارها وطعومها، مع أن الكل ينبت في بقاع متلاصقة، ويسقى بماء واحد، وينمو في جو واحد، كما قال تعالى في سورة الرعد:
(وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد وتفضل بعضها على بعض في الأكل، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) وكيف جعل فيها جبالاً ثوابت من فوقها، لتحفظ توازن الأرض وتمنعها من الميدان والاضطراب، وبارك فيها وقدر فيها أقواتها وأرزاقها، ووضع لعوالمها ميزانية مقدرة بتقدير معلوم، كما قال تعالي في سورة فصلت: (قل أئنكم لتفكرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً، ذلك رب العالمين، وجعل فيها رواسي من فوقها، وبارك فيها وقدر فيها أقواتها...) وفي سورة هود: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها، كل في كتاب مبين) وفي سورة الحجر: (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه، وما ننزله إلا بقدر معلوم).
أو انظر إلى السماء كيف أحكم الله بناءها، ورفعها بغير عمد نراها، وإلى الشمس وضحاها، والقمر إذا تلاها، والنهار إذا جلاها، والليل إذا يغشاها، وإلى الكواكب في تألقها وإشراقها، وهي تسبح في أفلاكها ومداراتها (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر، ولا الليل سابق النهار، وكل في فلك يسبحون، 36: 40، وتسبح