/ صفحة 66 /
ولكن ثم إفراطاً أيضاً، إذ يؤكد أن تلك النسخ على الرغم من إيجاد من حيث الشكل الإملائي ـ لا تحتمل أي اختلاف في النطق، وإن كل من له أدنى إلمام بالكتابة العربية ليعرف ذلك، فمن ناحية إذا كانت الحروف المتحركة الطويلة تظهر في رسم الكلمات العربية، فليس الأمر كذلك بالنسبة إلى الحروف المتحركة المتوسطة ولا القصيرة، ومن ناحية أخرى نجد كثيراً من مجموعات الحروف لا تتشابه فحسب بل تتحد، فلا تتميز إلا بنقط تسمى نقط الإعجام، فالياء مثلاً يمكن أن يقرأ نوناً أو تاء أو باء أو ياء حسب نطقها واحدة أو اثنين فوق أو تحت، وما كانت النقط مستعملة لا في عهد الرسول ولا في عهد الخلفاء الأربعة بعده.. وإذا كان الذوق السليم يكفي أحياناً لإحساس النطق الصحيح، فهو في الغالب يقتضي توجيهاً شفوياً.
والسنة تدلنا على أن النبي صلى الله عليه وآله سلم لم يقتصر دائماً على نطق واحد، ولكن في الكلمة الواحدة، أي بعبارة أخرى في المقطع الأساسي لم يكن نادراً أن يختار نطقين كلامهما حسن ومبين، فكذلك كلمة (ملك) يمكن أن تقرأ مالك، أي صاحب ملك وملك، أي صاحب رعية، وأيضاً (فتثبتوا) يمكن أن تقرأ تبينواً من (التبيين) أو فتثبتوا من (التثبيت) وكلتاهما قراءة مأثورة، وما دام السامعون لم يكونوا دائماً فئة واحدة بالضرورة، فلقد تركب على ذلك أن نشأ عند الصحابة منذ الزمن الأول طرق مختلفة للتلاوة، وصاحب كل طريقة يجهل الآخر في الغالب، والبخاري يذكر أن عمر غضب يوماً غضباً شديداً على هشام بن هاشم ابن حزام، إذ سمعه يتلو السورة 25 تلاوة تختلف عن التي يرويها هو عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبصعوبة استطاع أن يكتم غيظه حتى يتم الرجل صلاته، وما أن أتمها حتى لببه وسأله: من أين له تلك التلاوة فأجاب: من فم النبي ـ أنت تكذب لأن النبي علمنيها بطريقة أخرى، وقاده إلى الرسول الذي طلب إلى هشام أن يقرأ وبعد الموافقة على قراءته قائلاً أن السورة هكذا نزلت، فعل الشيء نفسه مع عمر مضيفاً أن القرآن نزل في الحقيقة على سبعة أحرف، فليتله كل بالطريقة التي تتيسر له، والطبري يحدثنا أن أبي بن كعب صدمه أيضاً اختلاف في تلاوة السورة 16، وأنه احتكم إلى النبي فأجاز القراءتين، أفيكون عثمان إذن أكثر تشدداً من سيده
