/ صفحة 62 /
عهد بهذه المهمة إلى زيد بن ثابت الذي أحس ثقل التبعة التي يفرضها مثل هذا العمل فتردد، ولكن أبا بكر يلح عليه: (إنك لرجل ذكي، وليس عندنا أدنى شك في نزاهتك، ولقد كنت تكتب الوحي عند إملاء النبي، فلتضطلع إذن بعبء جمع القرآن)(1).
وثم سبب آخر يبدو أنه كان ذا أثر في هذا الاختيار، ذلك أن زيدا لم يكن من حملة القرآن وكتاب الوحي فحسب، ولكن من ناحية أخرى حضر تلاوة النبي الأخيرة للقرآن(2).
وزيادة على كل ضمانات الصحة تلك وضع للعمل قاعدة روعى أن تطبق تطبيقاً دقيقاً: ذلك أنه لا يقبل أي مكتوب لم يشهد اثنان بأنه حرر لا من الذاكرة، بل بإملاء النبي نفسه، وأنه أحد أجزاء النص في وضعه الأخير، يقول لنا الليث ابن سعد إن طلب الشاهدين كان نتائجه استبعاد نص عن رجم الزاني، لأن عمر كان وحده شاهده، ولما أتم زيد العمل بكل تلك الاحتياطات وضعه بين يدي أبي بكر الذي حفظه مدة خلافته، وعهد به قبل موته إلى عمر بن الخطاب المعهود إليه بالخلافة، والذي استحفظ عليه في اللحظات الأخيرة بنته حفصة إحدى أمهات المؤمنين، لأن الخليفة لما يكن اختير بعد.
هذا المجموع الأول الذي يمكن أن نتمثله يضم صحفاً مرتبة، إلا أنها غير متصلة زيادة على كماله يفترق عن النسخ الأخرى التي كانت لدى الآخرين كاملة أو جزئية بالدقة الشديدة الموفية التي تجنبت كل ما ليس جزاء من النص نفسه المتلو في آخر صوره، فالواقع أن مثل ابن مسعود أو أبي بن كعب إذ يكتبون من الذاكرة كانوا يعيدوو صورة قراءة ربما كانت ترتبط بتاريخ سابق، أو يستبيحون أن يكتبوا على الحاشية أو بين السطور في نسخهم الخاصة، وفي الغالب بلون مختلف
ــــــــــ
(1) يكتب (ليبوا) مذكراً بهذه الوثيقة: (من ذا الذي لا يتمنى لو أنه بعد موت المسيح كلف أحد تلاميذه المباشرين أن يعطي تعليماته الصورة المكتوبة) القرآن والتوراة المبرية ليبلوا ص47 حاشية5.
(2) انظر السيوطي في الإتقان جزء 1 ص58.
