/ صفحة 61 /
هذه الآية مثلاً تضاف هنا وتلك هناك فيما بين أولئك، حسب بيان الرسول الصريح، مؤكداً أن هذا البيان نفسه موحى به كما أمر أمين السماء، وكيما يترك الباب مفتوحاً لهذا البناء المطرد التقدم كان لزاماً أن ينتظر تمام الكتاب قبل أن يوضع في جسم واحد.. على أن التتابع المستمر للآيات إذا لم يأخذ الشكل المكتوب منذ البداية، فلقد كان على العكس من حيث التلاوة، وفي كل مراحل تنزل الوحي معروفاً أن كل فقرة لها موضوعها المحدود: سورة كذا(1)، كذلك كان الأمر في الصلاة والتعليم والموعظة والتلاوات الأخر، وكذلك وجد في حياة الرسول مئات من الصحابة سموا (حملة القرآن) إذ اختصوا بتلاوة الكتاب، فحفظوا عن ظهر قلب كل سورة في صورتها للبينة مؤقتاً أو نهائياً، فنرى ابن مسعود مثلاً يفخر بأنه أخذ أكثر من سبعين سورة من فم النبي الذي يؤكد لنا من ناحيته أنه في شهر رمضان من كل سنة كان يراجع القرآن مراجعة عامة بتلاوة الآيات التي تنزلت في حضرة جبريل الذي راجعه معه مرتين في السنة الأخيرة، فكان ذلك إيذاناً بدنو ساعته صلى الله عليه وسلم، وما أن ينقضي عام علي وفاته عليه الصلاة والسلام حتى تمس الحاجة إلى جمع تلك الوثائق المبعثرة في مجموعة يسهل استعمالها والرجوع إليها، ويتابع فيها أجزاء كل سورة حسب النظام الذي تحدد واستقر في الذواكر دون أن ينقطع استمراره، أوحي بالفكرة عمر بن الخطاب للخليفة الأول بعد وقعة اليرموك مع مسيلمة الكذاب التي استشهد فيها مئات من الصحابة، منهم سبعون من حملة القرآن، فقد خشى أن يطرد نقص عدد الحفاظ من جزاء الحروب المحتملة.. إنها لوسيلة لم يرد بها حفظ تلك الوثيقة كاملة بحيث يتيسر الرجوع إليها عند الحاجة فحسب، بل أراد أيضاً إعطاءها الصورة الرسمية الموحدة بتأييد أولئك القراء الأحياء هم، وجمع أصحاب الرسول الذين يحفظ كل منهم جزءاً من القرآن قل أو كبر.
ـــــــــ
(1) ربما باستثناء الآية الأخيرة من السورة الرابعة التي نزل بها الوحي قبل وفاة النبي، فلم يسمح الوقت للصحابة بأن يستفسروا عن الموضع الذي يجب أن توضع فيه، فأضيفت إلى هذه السورة لوحدة الموضوع الذي تعالجه.
