/ صفحة 60 /
الرغبة التي يوحيها إلى أنصاره.. أولئك الذين صار القرآن غذاءهم الروحي وقاعدتهم السلوكية، ونص صلاتهم، وأداة دعائهم، إنه أنشودتهم وتاريخهم.. إنه قانونهم الأساسي، بل المجموعة القانونية لكل ملابسات الحياة.
ولكن النص المقدس ليس قرآناً فحسب أو مجموع ما يتلى شفاها بقصد حفظه عن طريق الذاكرة وحدها، بل هو أيضاً كتاب، فهما مظهران متعاونان متراقبان أبداً على التبادل، لذلك فكل قطعة يوحى بها إلى النبي ويتلوها تقيد كتابه على شيء في متناول الكاتب: ورق وألواح وقطع جلد مدبوغ أو غير مدبوغ وحجارة مسطحة... الخ، وأوثق العلماء يرفع عدد كتاب الوحي إلى تسعة وعشرين، هم الذين كان يملي عليهم النبي، والأعرف منهم الخلفاء الخمسة: الأول: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومعاوية، ثم الزبير بن العوام، وسعيد بن العاص، وعمرو بن العاص وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ولكن معاوية وزيد بن ثابت كانا مخصصين لهذا العمل أكثر من غيرهما.
وإذا لم يكن عدد الكتاب بمكة كثيراً، ولم يكن لهم طابع رسمي، فإن المؤمنين من البداية ما كانوا ليقصروا حتى في أحرج أيام الاضطهاد عن كتابة الوحي في صحف شخصية لاستعمالهم الخاص، وإن الآثار لتحدثنا أن عمر يدين بإيمانه لتلاوة ورقة وجدها عند أخته محتوية أوائل آيات السورة العشرين، على أن تلك الوثائق في شكلها المكتوب هذا لم تكن في أوليتها مجموعة مرتبة منسقة مرقومة، ولم يكن عند النبي أية قطعة مكتوبة، كذلك لم يكن عند الأفراد في ذلك العهد أية نسخة كاملة.. بل كانت النصوص هكذا مشتتة بين المؤمنين، ولم يكن في الإمكان أن تأخذ صورتها النهائية في الذاكرة العامة إلا قرب نهاية حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلقد كان لوحظ منذ وقت مبكر أن تلك المتنزلات منجمات ما كانت لتصير إلى أن تبقى هكذا متفرقات كلها، ولا أن تتعاقب بحسب تاريخ نزولها، لقد روى أن مجموعات كثيرة من الآيات آخذة في التكامل مفترقة بعضها عن بعض لتكون شيئاً فشيئاً وحدات مستقلة بإضافة الآيات الأخر التي تأتي فيما بعد لتلحق بها، فكان يجب أن
