/ صفحة 56 /
الذي تصدر عنه قاصرة على التدفئة، بل هناك عشرات من وجوه الانتفاع يعرفها أهل الصناعات، ونشهدها فيما بين أيدينا من أمتعة مستخدمة، وكلما تقدمت الصنعة، وقوي الإنسان بالعلم، ازدادت معرفته بهذه الوجوه، وظهرت له ألوان المنافع.
ولسنا بصدد تفسير الآيات، ولكننا نريد فقط أن نوجه الأنظار إلى منافعها من أسرار ترشد إلى الثروة الحيوانية ووجوه تصنيعها والانتفاع بها.
وما أحسن قوله تعالي بعد ذكر الخيل والبغال والحمير:
(ويخلق ما لا تعلمون) فإن فيه إشارة إلى أن الله تعالى سيعلم الإنسان ما لم يكن يعلم، وأنه إذا كانت هذه الحيوانات يراد بعضها للركوب والزينة والحمل والجر والحرث وغير ذلك، فإن زمان الآلة سيأتي على الناس، وسيؤدي كثيراً من وظائف هذه الحيوانات، وقد حدث ذلك فلم يلبث الناس حتى رأوا (الموتورات) تأخذ المكان الأول في التصنيع والتحريك، والحمل والجر، والغوص، والطيران، وكل ذلك مندرج تحت قوله تعالى: (ويخلق ما لا تعلمون) ولو أن القرآن يوم كان ينزل زاد الناس إفصاحاً، وصرح بهذا الذي أشار إليه، فذكر الحديد الطائر، أو الغائص، أو المتحرك، أو المحرك، لشق ذلك على أذهان الناس يومئذ، وما قلبوه، ولو أنه اكتفى بذكر الأنعام والخيل والبغال والحمير، ولم يشر إلى ما سوف يكون من آلات، لكان لنا أن نقول في عصرنا: أين هذه الحيوانات من الوسائل الآلية التي استحدثها العلم، وازدهرت بها الصناعة? فسبحان الحكيم العليم.
ويقول الله تعالى في شأن نوع من أنواع الحيوان سخره للناس:
(وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يجرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس، إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون).
ولا شك أن عالم النحل وما يمتاز به من نظام، وما يؤديه لبني الإنسان من خدمات وثمرات هو عالم جدير بالتأمل والاعتبار والاستفادة بما يرشد إليه من
