/ صفحة 55 /
ما يراد لأشعاره وأوباره، ومنها ما يراد لجلوده أو ريشه، ومنها ما يراد لغرائه أو أنيابه، ومنها ما يراد للركوب والحمل والجر والحرث... وهكذا.
وقد ذكر القرآن الكريم، وبينت السنة هذه الأصناف، وكان أسلوب القرآن في عرضها أسلوباً رائعاً من شأنه أن يهز النفوس، ويثير إعجابها وإقرارها بعظمة الله تعالى، كما يثير انتباهها إلى هذا اللون من الثروات.
يقول الله تعالى: (والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع، ومنها تأكلون، ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون، وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، إن ربكم لرءوف رحيم، والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة، ويخلق ما لا تعلمون).
وهذه الآيات تقرر في مطلعها حقيقة يريد الله من الإنسان أن يعملها، ويجري في حياته على مقتضى علمها، وهي أن هذه الأنعام مخلوقة للإنسان، أي أن له أن يملكها، وأن يستهلكها في مصالحه، وأن يسخرها كما يشاء، وذلك قوله تعالى:
(والأنعام خلقها لكم).
ثم تبين الآيات ما تقصد له هذه الأنعام، فنراها تذكر: الدفء، والمنافع، والأكل، والتجمل والزينة، وحمل الأثقال، وبلوغ الأهداف بعد قطع المسافات الطويلة.
وفي هذا استقصاء شامل لكل ما تراد له الأنعام، فإذا نظرنا إلى قوله جل شأنه: (فيها دفء) أمكننا أن نفهم منه هذا الدفء الذي يحصل لنا بأصواف الغنم، أو أشعار البقر، أو أوبار الإبل، كما قال تعالى في آية أخرى:
(ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعاً إلى حين).
ولنا أن نفهم منه ذلك الدفء الذي يحدثه أكل اللحم، فإن مكون من عناصر فيها كثير مما يبعث الحرارة والقوة والقدرة على مكافحة تيارات البرد ونزلاته.
وقوله تعالى: (ومنافع) فيه إجمال تام لكثير مما يراد له مصدر الدفء، وهو الجلود والأصواف والأشعار والأوبار، فليست منافعها أو منافع الحيوان