/ صفحة 52 /
ثم يلاحظ أن القرآن الكريم يلفت في أثناء ذلك إلي تصنيع هذا النوع من الثروات، حيث يقول في بعض الآيات: (تتخذون منه سكراً ورزقاً حسنا، فالاتخاذ لا يكون إلا بنحو من الصنعة والعمل والتحويل، وحيث يقول: (وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات، والتعريش إنما يكون حيث يتعاون الإنسان مع السنن الكونية للنبات والزرع، فهو لون من ألوان الصنع الإنساني الذي يدخله الناس علي بعض الموارد الطبيعية تنظيماً للانتفاع بها، وتحويلاً لها عن أوليتها الفطرية، وسذاجتها الأصلية، ويقول الله تعالى في التفرقة بين ما يكون من فعل الإنسان وفعل الخلاق: (أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون) فالحرث هو فعل الإنسان، إذ هو الذي يقلب الأرض ويهيئها لتلقى البذر، ويثير باطنها، أما الزرع فهو صنع الرحمن إذ هو الذي سن قانون النبات، وأودعه القوة التي تجعله يمتص الماء بقدر، ويأخذ من التربة بقدر، ومن ضوء الشمس بقدر، فينزرع وتتمكن جذوره ثم ينمو ويؤتى أكله كل حين بإذن ربه، وليس للإنسان في هذا الجانب أي عمل، وكذلك قوله تعالى: (أفرأيتم النار الذي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون) فالشجر في الغابات وفي غيرها منشأ من الله تعالى بتكوين عناصره التي يمكن معها أن يكون ناراً، وليس للإنسان دخل في تكوين هذه العناصر وتأليفها، وقد اكتشف الناس فيما بعد أن هذه الشجرة التي توقد منها النار هي الأصل للفحم الشجري، وقد مرت عليها أعصار طويلة في المصنع الإلهي حتى صارت فحماً يستخرج ويستوقد بفعل الله، أو كما يقولون: بفعل الطبيعة، وما الطبيعة إلا قوانين التكوين والتحويل التي سنها الله، فسبحان الخلاق العليم.
ـ 2 ـ
يتصل الإنتاج الحيواني بالإنتاج الزراعي اتصالاً وثيقاً، فكلما كان هناك رواج زراعي، كان هناك رواج حيواني.
وسبب ذلك واضح، وهو أن الحيوان ككائن حي يحتاج إلى الغذاء ويفتقر إلى العوامل الطبيعية للنمو والتوالد، وهو يجد ذلك بصورة سهلة منتظمة في البيئات الزراعية.
