/ صفحة 49 /
يعتبر كل عمل يقوم به المرء للإصلاح والتعمير، والتوليد والتثمير، عبادة لا تقل في أهميتها عن الصلاة والصيام والحج، بل ربما تفضلها، وأن الله تعالى حين قال: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) لم يحصر نوع العبادة بالنسبة للإنس في أداء الفرائض والنوافل الروحية، وإنما بين في غير هذه الآية أن كل عمل صالح فهو عبادة ما دامت النية فيه حسنة، والقصد سليماً مشروعاً، وما دام المرء مؤدياً به حقاً عليه لنفسه أو لمجتمعه، أو لأمته، أو للإنسانية عامة.
* * *
إذا تبين لنا هذا علمنا أن الإسلام يريد تهيئة النوع الإنساني للعمل والسعي وتعمير الأرض واكتناه شأن الكون، والإنتفاع بما سخره الله فيه.
وبذلك يكون قد أمد الأرض بالموارد البشرية، أي هيأ لها ـ باعتبارها منجماً كبيراً أو مستودعاً هائلاً ـ موارد لا تنقطع من القوى البشرية العاملة الدائبة المفكرة المدبرة، المقبلة على السعي بفطرتها وطبيعة تكوينها، ولم يحل بالدين بينها وبين هذا السعي والدأب، بل جعله دافعاً لا مثبطاً ولا مخذلاً ولا معوقاً.
فهذا هو المورد الأول والأساسي من موارد الإعمار والكشف والتثمير والتحصيل والتصنيع، لولاه ما كان للأرض قيمة، ولا لثرواتها الطبيعية من ينتفع بها، ولا لما حول الأرض دلالة ولا إشارة تنبيء عن عظمة الخلق، وبديع الصنع، ولظل العالم كالقصر المنيف الذي هيء أعظم التهيئة بكل شيء، ثم ترك خالياً خربا لا يسكنه أحد!.
وإن هذا ليتفق مع النظريات الإقتصادية كل الاتفاق، فإنه لا فائدة في أي مورد من الموارد الإقتصادية الطبيعية إلا إذا توافرت لها الموارد البشرية التي تستنبطها وتستحييها وتعمل فيها العقل والفكر، وتصنعها أو تهذبها على نحو من التصنيع أو التهذيب.
* * *
والقرآن الكريم بعد أن يبين الغاية من خلق الإنسان، وبعد أن يحشد أفراد هذا النوع للعمل والسعي والدأب، كمورد أساسي للإعمار والتصنيع يلغت.الإنسان