/ صفحة 48 /
عليه من صفات، وزوده به من قدرة وإمكانيات: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال: إني أعلم ما لا تعلمون) وهذا حكم فاصل من شأنه أن يرفع معنويات الإنسان، حيث يرى أن الإله الخالق القادر الحكيم العليم اعتبره أصلح لعمارة الكون من الملائكة الأبرار الأطهار، مع أنه مخلوق يصدر عنه الفساد أحياناً، وسفك الدماء أحياناً، ومع أنهم لا يعصمون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
ثم حكم حكما آخر على منافس آخر للإنسان، هو إبليس عدو بني آدم اللدود، حيث أمره بالخضوع لآدم، فلما لم يخضع تكبراً واستعلاء، وعصى أمر الله، وقال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، لعنه الله وطرده من رحمته، ونصر الإنسان عليه في موقف التحاكم، وخذره منه ومن ذريته مبيناً له أنه عدوه المبين وقال اخرج منها فإنك رجيم، وإن عليك اللغنة إلى يوم الدين).
وإذن فالإنسان هو النوع المختار الذي علم الله جدارته بالرسالة التي استخلفه في الأرض من أجلها، دون الطيبين الأبرار من الملائكة، والمفسدين الأشرار من الأبالسة.
وما دام الإنسان مخلوقاً له رسالة، وقد استخلف في هذا الكوكب لغاية، فلا يمكن أن يرضى الإسلام الذي يقرر هذا ويؤكده مرة بعد مرة في آيات من كتابه الخالد، بأن يقضي الإنسان حياته فارغاً أو قابعاً مستسلماً لما حوله، مستمرئاً رتابة الحياة ونعيمها السهل الميسر دون أن يعمل ويشقى.
وليس الإسلام هو دين الرهبنة الذي يرضى أو يطلب من الإنسان أن يعيش كما يعيش الراهب في صومعته، أو كما يعيش المنقطع في الجبل، لا يعمل، ولا يزرع، ولا يحصد، ولا يفكر، ولا يؤلف، ولا يوجه، ولا يشارك في أي نشاط، بحجة أنه متفرغ للعبادة، وأداء حق الشكر لله تعالى على ما أنعم، وأنه مؤثر للزهد في الحياة، واحتقار الدنيا وزنتها.
وذلك لسبب بديهي هو أن هذا هروب من الرسالة التي خلق لها، وتخلص من الأمانة التي هيء لتحملها، وغفلة عن قاعدة أساسية قررها الإسلام، وهي أنه