/ صفحة 22 /
الملك) (وأما الأمر الثاني مما يحملني على تمني لقائك فهو ما كنت أسمعه عن أهل الحدثان (وهم المنجمون والملهمون من المتنبئين بالغيب من حوادث العالم) بالمغرب والأولياء...) وذكر له طائفة من أقوال هؤلاء تتنبأ له بملك عظيم.
غير أن ابن خلدون لم يوفق إلى تحقيق ما كان يأمله من تيمورلنك، فلم تمض أسابيع قلائل حتى سئم البقاء في دمشق، واستأذن تيمورلنك في العودة إلى مصر فأذن له.
وفضلاً عن إخفاق ابن خلدون في الوصول إلى ما كان يأمله من تيمورلنك، فإن هذه الرحلة كانت مغرماً كبيراً له، فقد تجشم في أثنائها هديتين قدمهما لتيمورلنك، وفقد في طريق عودته منها جميع ما كان معه مال ومتاع.
ويصف ابن خلدون الهدية الأولى فيقول: (كنت لما لقيته... أشار علي بعض الصحاب ممن يخبر أحوالهم بما تقمدت له من المعرفة بهم، فأشار بأن أطرفه ببعض هدية، وإن كانت نزرة فهي عندهم متأكدة في لقاء ملوكهم، فانتقيت من سوق الكتب مصحفاً رائعاً حسناً، وسجادة أنيقة، ونسخة من قصيدة البردة للأبوصيري في مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأربع علب من حلاوة مصر الفاخرة، وجئت بذلك فدخلت عليه، وهو بالقصر الأبلق جالس في إيوانه، فلما رآني مقبلاً مثل قائماً وأشار إلي عن يمينه... فجلست قليلاً، ثم استدرت بين يديه، وأشرت إلى الهدية التي ذكرتها، وهي بيد خدامي، فوضعتها، واستقبلني ففتحت المصحف، فلما رآه وعرفه قام مبادراً فوضعه على رأسه، ثم ناولته البردة، فسألني عنها وعن ناظمها، فأخبرته بما وقفت عليه من أمرها، ثم ناولته السجادة فتناولها وقبلها، ثم وضعب علب الحلوى بين يديه، وتناولت منها حرفاً على العادة في التأنيس بذلك، ثم قسم هو ما فيها من الحلوى بين الحاضرين في مجلسه، وتقبل ذلك كله، وأشعر بالرضي به9.
ويصف ابن خلدون الهدية الثانية فيقول: (ولما قرب سفره، واعتزم على الرحيل من الشام، دخلت عليه ذات يوم، فلما قضينا المعتاد، التفت إلي، وقال: