/ صفحة 21 /
الخضوع، فرفع رأسه ومد يده إليّ فقبلتها، وأشار بالجلوس فجلست حيث انتهيت، ثم استدعى من بطانته الفقيه عبد الجبار بن النعمان من فقهاء الحنفية بخوارزم، فأقعده يترجم بيننا).
وبعد أن ذكر ما دار بينهما من حديث يتعلق بتاريخ ابن خلدون، وحياته في مصر، وحياة أسرته في المغرب، وما استطرد إليه هذا الحديث من الكلام على بلاد المغرب الأدنى والأوسط والأقصى، وسؤال تيمور لنك عن مواقع هذه البلاد، قال إن تيمورلنك لم يكتف بما قاله له شفوياً، وقال له: (أحب أن تكتب لي بلاد المغرب كلها أقاصيها وأدانيها وجباله وأنهاره وقراه وأمصاره، حتى كأني أشاهده، فقلت يحصل ذلك بسعادتك، وكتبت له بعد انصرافي من المجلس ما طلب من ذلك) ولعل تيمورلنك كان يقصد غزو المغرب، فأراد أن يقع على تفاصيل بلاده ومواقعها وجغرافيته.
ويظهر أن ابن خلدون كان قد عاوده حينئذ داؤه القديم، وساوره الحنين إلى المغامرات السياسية، فكان يعلق على صلته بتيمورلنك آمالاً أخرى غير ما وفق إليه في شأن دمشق، ولعله كان يرجو الانتظام في بطانة الفاتح والحظوة لديه، ولذلك أخذ يطنب في مدحه، ويذكر له أنه كان عظيم الشوق إلى لقائه منذ أمد طويل، ويتنبأ له في مستقبله بملك عظيم، مستدلاً على صحة تنبؤاته بحقائق الاجتماع وأقوال المنجمين والمتنبئين بالغيب.
ولعل ابن خلدون قد آنس سذاجة في هذا الفاتح وحبا في المديخ فأخذ ينفخ في كبريائه بهذه التنبؤات، ويروى ابن خلدون ما ذكره لتيمورلنك بدون أن يصرح بما دعاه إلى ذلك فيقول: (ففاتحته وقلت له: أيدك الله! لي اليوم ثلاثون أو أربعون سنة أتمنى لقاءك، فقال لي الترجمان عبد الجبار: وما سبب ذلك?
فقلت أمران: الأول أنك سلطان العالم، وملك الدنيا، وما أعتقد أنه ظهر في الخليقة منذ آدم لهذا العهد مثلك، ولست ممن يقول في الأمور بالجزاف، فإني من أهل العلم...) (ثم أخذ يؤيد قوله بنظريات اجتماعية عن قوة العصبية وأثرها في
