/ صفحة 23 /
أعندك بغلة هنا? قلت: نعم، قال: حسنة? قلت: نعم، قال: وتبيعها فأنا أشتريها منك? فقلت: أيدك الله مثلي لا يبيع من مثلك، إنما أنا أخدمك بها وبأمثالها لو كانت لي، فقال: إنما أردت أن أكافئك عنها بالإحسان، فقلت: وهل بقي إحسان وراء ما أحسنت به: اصطنعتني وأحللتني من مجلسك ومحل خواضك، وقابلتني من الكرامة والخير بما أرجو الله أن يقابلك بمثله، وسكت وسكت، وحملت البغلة إله وأنا معه في المجلس، ولم أرها بعد)!.
وهكذا ظن ابن خلدون أن باستطاعته ـ بفضل دهائه وألمعيته ـ أن يعود مزوداً من هذا التتري، الذي ظنه غراً ساذجاً، بالمناصب والرتب والألقاب، ولكنه عاد صفراً من كل شيء حتى من بلغته.
وزاد من كوارثه أنه قد دهمه في طريق عودته جماعة من اللصوص فنهبوا جميع أمتعته وجردوه حتى من ملابسه، ويصف ذلك ابن خلدون فيقول: (وسافرت في جمع من أصحابي، فاعترضنا جماعة من العشير (يقصد البدو) قطعوا علينا الطريق ونهبوا ما معنا، ونحونا إلى قرية هناك عرايا، واتصلنا بعد يومين أو ثلاثة بالصبيبة فخلفنا بعض الملبوس...).
* * *
وهكذا جزاء من يطلب عرض الدنيا بإرخاص كرامته والاستهانة بحقوق وطنه، والزلفى لأعداء بلاده.
