/ صفحة 18 /
ومن هنا كانت خطورة تهاون المسلمين في الخلق والسلوك، وفيما يتعلق بالقيم التي أشرنا إليها، فإن هذا التهاون قد أدى باضطراد إلى قلة النماذج التي يمكن أن تبعث الشوق إلى الإسلام في نفوس غير المسلمين، كما أدى باضطراد إلى كثرة النماذج التي تبعث النفور منه عند أولئك، ولا جدال في أن الإسلام بطبعه قادر على إنتاج النماذج الطيبة، ولهذا وصل إلينا وسيصل إن شاء الله إلى من بعدنا إلى آخر الزمان، إنما محل الانزعاج والقلق هو اختلال التوازن والنسبة بين انتاج النماذج الطيبة التي تحمل في تواضع وعفة وإخلاص رسالة الإسلام، وتسلمها إلى القلوب والنفوس كل يوم، وبين انتاج النماذج التي تحجب ظلمتها نور الإسلام، وكثافتها رقته، وثقلها لطفه، وعربدتها نظامه واتساقه، فإن هذه النماذج الأخيرة تتكاثر في البيئات الإسلامية بما يشبه تكاثر الخلايا السرطانية، ولابد من وقفة جادة تقفها عقول المسلمين لمواجهة تكاثرها حتى لا يهدد حياة الإسلام، وما يغني مع تكاثرها أن نملأ الكتب والمجلات والمحافل والندوات بمحاسن الإسلام ومزاياه إذا كانت هذه النماذج التي تنتجها البيئات الإسلامية على هذا النطاق الواسع تحمل لعين المحايد بله المغرض المناوئ صورة غير كريمة عن الإسلام وأهله.
وينقلنا هذا إلى عقدة أخرى من عقد المسلمين في زماننا يتصل أمرها بمناهج التقريب، فإنهم صاروا حريصين إلى حد المبالغة على أن يبدو الإسلام مقبولاً من خارجه في عين من ينظر إليه من غير المسلمين على وفق معايير الحسن والقيم السائدة في الأمم التي بيدها مقاليد الحضارة الحديثة، وهكذا وضعنا ـ دون أن نشعر ـ نبينا وقرآننا وملتنا في موضع الاتهام، وأخذنا نترافع لإثبات براءة الإسلام أمام محكمة لا يعنيها هذا الأمر كثيراً.
تلمس هذا في كثير مما كتب ويكتب، وقيل ويقال في النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحياته، والقرآن وآياته، والإسلام ودوره.
على أن أحداً لن يترك بطبيعة الحال إسلامه إذا لم يفلح في إقناع الأوربيين والأمريكيين بجمال الإسلام وكماله، فلماذا إذاً نكلف نبينا وقرآننا وديننا مهانة
