/ صفحة 17 /
ولا يتصور الإسلام أن رجلاً معروفاً بسوء السيرة وقلة الذمة والإخلاص يمكن أن يصبح صاحب فكرة أو مدرسة، وأن يصير له مجد وشهرة بين المسلمين.
ومسلمو هذا الزمان إذ يستعملون المطبعة على أوسع نطاق في مختلف أغراض حياتهم تصوروا أن الأفكار الإسلامية يمكنها بذاتها متى طبعت ووزعت أن تزاحم وتزحم غيرها من الأفكار والمعارف والعلوم في تلك السوق الواسعة الغاصة بالأفكار لا المجردة من الإتصال الإنساني، والتي لا تحتاج إلى هذا الإتصال، ويكفي لمن يخالجه أدنى شك في مبلغ هذا الوهم أن يلاحظ ما تلقاه المطبوعات الدينية من قلة الرواج حتى مع بذل غاية العناية في إخراجها وطبعها، بوساطة الهيئات الدينية المسيحية.
وينبغي أن نلتفت إلى أن الإسلام ليس مجرد فكرة أو أفكار، ولا هو وصفة أو وصفات، ولا صيغ يحرز مضمونها من يتعلقها، وإنما هو حياة تعاش أو طريقة للحياة لا تعرف حقيقة معناها ومضمونها إلا من خلال إنسان يعيشها ويحياها وهو ما تعجز عن نقله المطبعة وعن حمله الكتب.
ومن ظن من المسلمين أن غير المسلم يمكن أن يتحول إلى الإسلام إذا قرأ كتاباً أو كتباً تعرض مبادئ الإسلام المصوغة عرضاً صحيحاً مشوقاً، فهو واعم يضيع وقته وجهده، وما نظن أن هذه الطريقة على ما فيها من جاذبية كان أو يمكن أن يكون لها نصيب جدي في نشر الإسلام، إذ الإسلام لا تنشره الكتب وقراءة الأوراق، وإنما ينشره الإنسان المسلم حين يتصل بغير المسلم، فيشهد هذا من يسر تناوله لحياته: سرائها وضرائها، ويسر تقبله للخروج منها ما ينطبع أثره في وجدانه ويصل إلى الأعماق فيدخلها الشوق إلى الإسلام قبل أن يتنبه العقل إلى النظر والتفكير فيه.
هذا هو الطريق الذي به انتشر الإسلام في الماضي البعيد أو القريب، وهو الطريق الرحب الطبيعي لكل دعوة إسلامية، وفيه من آثار رسولنا وآله وصحابته وتابعيهم معالم هدى لا يخطئها قلب إذا أخلص في اتجاهه إلى الله.
