/ صفحة 16 /
تعتنقها، ولم تعد تستطيع أن تحمل أو تتحمل من يريد أن يعيش هذه المبادئ بشجاعة وإخلاص، بل لم تعد تستطيع أن تكفل للمسلم كامل الحقوق التي قررها له الإسلام، أو تقوى على إيجاد الثقة فيها وحسن الظن بها، وتهيئة الفرصة للتماسك والتساند اللازمين لكل عمل مشترك قوي طويل الأمد.
ثم هي مشكلة موقف المسلمين من طابع المعارف الإسلامية ومن طابع المعارف الغربية أو الحديثة سمها ما شئت، فالمعارف الحديثة غير شخصية في الأغلب الأعم، ولا تتوقف على وجود صلة إنسانية شخصية وثيقة، فالأفكار والمعلومات متى صيغت وحصلت تنفصل عن الأشخاص ويصبح لها وجود مستقل تضمنه المطبعة أو الرسم أو الوسيلة التشكيلية التي تصاغ فيها، وتنعقد صلة مباشرة بين المنتفعين وبين هذه الأفكار أو المعارف التي أحرزت على هذه الصورة دون حاجة إلى وساطة إنسان يتلقونها عن طريقه، وهذا الإنفصال بين الفكرة أو العمل وبين الإنسان المعين الحقيقي قد استقر، حتى أن خلق صاحب الفكرة أو العمل لم يعد بذي شأن، بل صارت الفكرة أو العمل في ذاته سبباً للشهرة والمجد، والمنزلة لصاحبهما برغم خلقه السيء أو سلوكه الفاضح، أو برغم تنكره في حياته كإنسان للقيم التي بها يكون الإنسان إنساناً، بل برغم تنكره في حياته لذات الأفكار والمبادئ التي قامت عليها شهرته في مؤلفاته أو أعماله الأدبية أو الفنية.
وهذا الإنفصال لا يعرفه الإسلام، فالمعارف الإسلامية لا تحصل أساساً من كتاب، ولا يمكن استخلاصها كاملة من أوراق، لأنها قبل كل شيء معارف ينقلها إنسان مسلم إلى إنسان مسلم بعد أن تلقاها من إنسان مسلم كذلك، ولا يختلف طابعها هذا سواء أكانت معارف مبناها الإنشاء والإيجاد أو مبناها النقل والرواية، فهي في الحالين لها تكملة بشرية لا تقوى على حملها الأوراق يدركها التلميذ أو المريد عن شيخه في تصرفات الشيخ واهتماماته وما يظهر في سلوكه أو أعماله من أثر تلك المعارف التي يترجمها الشيخ من صيغ لفظية إلى واقع حيوي يحمل حقيقتها الحية،
