/ صفحة 15 /
المزج في الدعوة لدى كثير من المسلمين بين فكرة الدولة الإسلامية وبين الإسلام ذاته، واعتقاد التلازم بينهما في الدعوة، وليس هنا مجال مناقشة هذه المسألة بالتفصيل، ولكن يكفي أن نقول إن الإسلام باق ثابت ما بقي القرآن المجيد مصوناً محفوظاً كما وعد الله تعالى، أما الدولة الإسلامية بصورتها التاريخية المعروفة وبمفهومها في كتب الفقه الإسلامي فقد انقضت، والتفكير في إعادتها إلى الوجود بذلك المفهوم عينه يقتضي بداهة استبدال ذلك المفهوم القديم بالأسس الحالية للقانون الدولي، وهو مرام لا يتعلق به خيال، إذ الدولة بمعناها الحديث مفهوم سياسي وقانوني يحدد مقوماته القانون الدولي بالنسبة لجميع الدول، ولا يدخل الدين في هذا المفهوم كما لا يدخل في مفهوم الجنسية باعتبارها رابطة الولاء الذي يربط الفرد بدولته، وقد صارت البلاد الإسلامية والمستقلة دولاً بهذا المفهوم الحديث في ظل القانون الدولي، وغلب على معظمها الطابع المدني السائد بين دول العالم، ولا تعارض بين إسلام المسلم وولائه لدولته المدنية، ولا يعتبر ولاؤه لها قادحاً في إسلاميه.
وهذا التلازم في التصور بين الدولة الإسلامية وبين الإسلام أكثره أثر للشعور السائد بين المسلمين بالشوق إلى الإتحاد والنفور من التفرق والضيق بما يجدونه في أنفسهم من الضعف والتخلف والتمزق بالقياس إلى سواهم من الأمم والشعوب، ولكن إعادة الدولة الإسلامية إلى الحياة هدف سياسي بلا ريب، لأنه يتضمن تغيير حكام بحكام، وأوضاع بأوضاع أخرى في الحكم، وقيم بقيم أخرى سياسية واجتماعية، وليس عجيباً إذن أن نلاحظ عند من يمزجون في الدعوة بين الإسلام والدولة الإسلامية ميلا ظاهراً إلى تقليد بعض مناهج الدعوات السياسية وأساليبها.
على أن مشكلة المسلمين الأولى فيما يبدو ليست مشكلة امبراطورية تفككت، فكل امبراطورية كانت أو تكون مصيرها إلى أن تتفكك وتبيد وتخلى الطريق لوحدات سياسية أضيق رقعة وأوسع نشاطاً وأكثر تماسكاً وحيوية، إن مشكلتنا هي مشكلة قيم، ومشكلة موقف: هي مشكلة قيم معينة قد تضاءل اهتمام البيئات الإسلامية بها، وقل حرصها عليها، فلم تعد هذه البيئات تعيش وفق المبادئ التي