/ صفحة 14 /
إلى دور خادم الجماهير الذي عليه أن يسترضي سيدته بخدمات ترضى عنها، وإلا فلا يريها وجهه، وفي هذا نهاية معنى الدين، لأن فيه نهاية التسليم بالله إله الكل من الأزل إلى الأبد، ونهاية ناموس الله الذين يدين له البشر بالطاعة أينما كانوا، وفي ظله نما وينمو النوع الإنساني إلى آخر الدهر، ونهاية فكرة الآخرة التي ضمن بها الإنسان خلوده حين حمل أمام الله مسئولية لا تموت بموته، وعقد التزامات لا تنحل بتحلل رفاته، وأحسب أن الناس في هذا الزمان بعد أن صاروا (جماهير) تنعت تملقاً بنعوت القداسة، وتوصف مداجاة بأنواع الكمالات، ويلعب بأفئدتها وأهوائها وشهواتها وغرائزها ونوازعها من يستطيع ويشاء، أحسب أن الناس في هذا الزمان أكثر خوفاً من أنفسهم، وقلقاً على مصيرهم من أي وقت مضى، وأشد شعوراً بالضياع والحيرة، وبذلك الإحساس المزعج الذي يحس به الولد حين يفتقد الوالد الحازم الذي يقف في وجه أهوائه وعربدته، ويرد إلى نفسه السلام والأمن الداخليين اللذين بدونهما تصبح الحياة عبئاً لا يحتمل.
أحسب أن ليس في استطاعة الدين أن يقترب من الدعوات السياسية والإقتصادية والإجتماعية إلى الحد الذي يطوعه لأساليبها ومناهجها دون أن يفقد معناه أو معظمه، فالدين ليس علاقة بشرية بين الإنسان وأمثاله من الفانين الهالكين وإنما هو رباط فذ يتجاوز فيه الإنسان الفرد أفق بشريته ليحدد في هذا العالم المتغير المتقلب مصيره هو كفرد لا مصير نوعه أو جنسه بالارتباط إلى الأبد بنقطة ثابته باقية إليها تنتهي الخطوط كلها ومنها تبدأ، ويحول ارتباطه بها بينه وبين الإنطفاء والإنطماس في ظلمة العدم، هو رباط فذ له معنى فذ لا يشاركه فيه غيره من الروابط التي يرتبط بها الإنسان على هذا الكوكب، يميزه أساساً أنه ليس دين اليوم فحسب، بل دين الأمس واليوم والغد، كان ويكون وسيكون، وهنا يكمن وقار الدين ورهبته وتعاليه باتساع مدى تجاربه على غرور الإرادة البشرية التي لا ترى من طريقها بوضوح إلا ما تسمح لها برؤيته حياتها القصيرة المليئة بالشواده والصوارف.
ويزيد مشكلة المناهج والأساليب فيما يتعلق بالدعوات الإسلامية خاصة أمور منها:
