/ صفحة 13 /
النوازع والدوافع البدائية الغريزية غير الواعية، تسودها الآن وفي المستقبل بقدر ما يمكن أن يتصور المستقبل في حدود المعقول، وقد حققت هذه المناهج على الجملة ـ ولكن بصورة سطحية ـ ما هو مطلوب منها، وهو ما أغرى فريقاً من الناس في بعض البلاد باستعمالها في الدعوة الدينية، مدفوعاً إلى ذلك بالرغبة في مسايرة الميل العام الذي يرى في كل جديد رقياً وتقدماً وشعوراً منه بأن الدين يقف اليوم في موقف الإنهام بالتخلف والتقصير والقدم، وإشفاقاً منه كذلك على ما يتصور من عجز الدين وعدم قدرته على الصمود للدعوات السياسية والإجتماعية المادية، فضلاً عن قهرها والتغلب عليها.
وأياً ما كان الباعث على ذلك ومبلغه من الجد والإخلاص، ومن الإهتمام بأمر الدين ونصرته، فإن تطبيق هذه المناهج والأساليب في الدعوة الدينية نقيض خضوع هذه الدعوة لمطالب هذه المنهاج والأساليب، وأولها ما يصح أن نسميه (بجمهرة) الدعوة وتحويلها إلى قضايا وشعارات مقولة أو مكتوبة بأسلوب العصر ولغته ـ أي بلغة الجماهير ـ وهو ما يستلزم إعادة تصفية وصياغة وترتيب وتكوين العقائد والأصول والقواعد والأفكار الدينية، والإستغناء عما لا يصلح منها لهذه المناهج والأساليب، مع التقليل من التركيز على الحياة الأخرى وما يتصل بها، والإهتمام والتركيز على ما يستطيع أن يقدمه الدين للجماهير من حلول لمشاكل الدنيا وبخاصة مشاكل الفرد العادي العاطفية والإجتماعية والإقتصادية، حتى يمكن أن تروق معروضات الدين في عين جماهير هذا الزمان على نحو ما تروق في عينها معروضات السياسة والتجارة والدعوات الإجتماعية المادية، وقد حدث شيء كهذا من بعض رجال الطوائف المسيحية في أوربا الغربية وأمريكا.
ولعل أخطر ما ينطوي عليه هذا الإتجاه هو منافسة الدين للسياسة والتجارة والاشتراكية والشيوعية وما إليها في تملق الجماهير واسترضائها، فيغرق الدين في سيادة الشعب، وتصبح إرادة الشعب في السماء كما هي على الأرض!! إذ من المحال أن يبقى الدين ديناً إذا تخلى عن دور الوالد الآمر الناهي المطاع في الحال والمآل
