/ صفحة 12 /
بهم عن التفرق والتمزق، ولذا لا يجد الساخط الناقم الثائر المتعجل للتغيير والتدمير مكاناً في جماعة التقريب.
ولكن إذا لم تجد نوازع الرغبة في الغلبة والتفوق، ودوافع المصلحة الذاتية التي تسوق الرجال أمامها في طريق مطامعهم وأمانيهم، ولا نوازع العدوان والمقاومة وتوكيد الذات التي تحرك في الناس النقمة والسخط والثورة والشوق إلى الهدم والإزالة والتغيير العاجل، إذا لم تجد هذه القوى الغريزية المحركة مكاناً لها في التقريب، فكيف يرجو أهل التقريب أن تسير سفينتهم إلى غايتها أو غاياتها?.
هذا سؤال يتجه إلى أساليب التقريب ومناهجه، وهو يثير ابتداء مشكلة المنهج الذي يتبع في الدعوة الدينية في العصر الحديث بصفة عامه، فإن هذه الدعوة من حيث هي محاولة للتأثير على نحو معين في السلوك الديني للإنسان تشبه من بعض الوجوه غيرها من المحاولات التي يمكن أن تبذل للتأثير في السلوك السياسي أو الإجتماعي أو الاقتصادي للآدمي، والدعوات السياسية والتجارية هي والدعوات الإجتماعية المادية تعمل على أسس احصائية باعتبار الآدمي وحدة مكررة في مجموعة تتكرر فيتكون منها مجاميع أوسع وهكذا، وتدور مناهجها وأساليبها على الإستفادة إلى أقصى حد من المعارف والمعطيات التي يقدمها علم النفس، وعلم الإجتماع، وعلم الإحصاء، وما يتصل بهذه العلوم من أبواب العلم الأخرى، وعلى الإنتفاع بالمخترعات والفنون والقدرات الحديثة في تنشيط جانب من النوازع والغرائز والدوافع العميقة غير الواعية في النفس الإنسانية وتحريكها، لكي تحدث هذه القوى الغالبة تأثيراً معيناً مقصوداً في سلوك الآدمي بالنسبة لموضوع معين، وتنشيط هذه القوى النفسية الغامضة يتم في الأغلب الأعم على حساب العقل والقوى الضابطة فيه، وعلى حساب ملكة النقد، وحساب المشاعر الأكثر رقياً والأبقى نفعاً للإنسان في حاضره وقابله، ثم هي ـ أي هذه المناهج ـ قد وضعت لكي تعمل في عقلية الجماهير ونفسيتها، وعلى أساس التسليم بأن عقليتها ونفسيتها تسودها تلك
