/ صفحة 107 /
تشيع الفراء:
ومما يتصل بالناحية الدينية عند الفراء جانب العقيدة عنده، فقد كان الفراء من الشيعة الإمامية الإثني عشرية، وكان على صلة وثيقة بتلاميذ الإمام العظيم (جعفر الصادق) رضي الله عنه وأرضاه، وكأني أرى إن قتيبة الذي تأثر بالفراء في بعض مناهجه يتقمص روحه فيعبر عنها خير تعبير حين يرسم منهج الإعتدال في موقفنا من الإمام علي كرم الله وجهه، فيقول: (والسلامة لك ألا تهك بمحبته ولا تهلك ببغضته، ولا تحمل عليه ضغنا بجناية غيره، فإن أنت فعلت فأنت جاهل مفرط في بغضه، وأن تعرف له مكانه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم...
من غير أن تتجاوز به الموضع الذي وضعه به خيار السلف) ذلك هو موقف الفراء في تشيعه واعتداله، وليس غريباً أن يقف هذا الموقف المعتدل، فقد رأيناه يتخذ الإعتدال رائده، ويرتفع بشخصيته القوية على كل تعصب مذهبي مقيت (أنظر ص96ـ 108).
معاني القرآن:
ولنعد إلى (معاني القرآن) ذلك الكتاب الذي ألمعنا إليه منذ القليل، وترجع أهمية المعاني إلى قيمته التاريخية حيث أنه أول تفسير نحوي وصل إلينا يمتاز بدراسة القرآن الكريم من حيث التراكيب والإعراب إلى جانب الشرح والتفصيل، كما أنه اشتمل على أفانين أخرى غير الجانب النحوي، تلك التي يشترك فيها كثير من المفسرين.
كما ترجع قيمته التاريخة والموضوعية إلى أنه حفظ لنا أول حديث مستفيض عن القراءات والإحتجاج لها، كما أنه حفظ لنا أول بحث في ظاهرة الموسيقي القرانية وتتبعها في رءوس الآيات، هذا إلى جانب ثروة من المصطلحات المبتكرة التي أصطنعها الفراء وتأثر بها الكوفيون والبغداديون من بعده، إلى غير ذلك من كل طارف وتليد، ثم هو بعد هذا وذاك أكبر كتاب وصل إلينا من آثار الفراء، وتبرز أهمية المعاني في أنه يمثل مرحلة القمة عند أبي زكريا الفراء، حيث ألفه وهو يناهز الستين، وقد أودعه جميع معارفه فكان أشبه ما يكونن بدائرة معارف الرجل.
