/ صفحة 106 /
هذا إلى جانب النزعة الدينية القوية عنده، تلك النزعة التي جعلته يسبق النحويين واللغويين جميعاً، فيعتمد الحديث النبوي الشريف حجة في النحو واللغة على سواء، على حين أن النحويين جميعاً في ذلك العهد كانوا يردون الحديث ولا يستدلون به في وضع القواعد، ما عدا الفراء فإنه رأى بنور الإيمان أن الحديث الشريف يستحق أن يعتمد عليه، وأن يتخذ حجة في النحو واللغة، وبهذا كان أسبق من جميع النحاة، كما كان أسبق من (ابن خروف الأندلسي) ذلك الذي ذكره المستشرق الأماني (يوهان فك) على أنه أول من احتج بالحديث الشريف، ناسياً أن الفراء المتوفي سنة 207 هـ، قد سبق ابن خروف إلى ذلك بعدة قرون، حيث توفى الثاني في أوائل القرن السابع الهجري 0انظر ص88 و513).
ومن مظاهر النزعة الدينية القوية عنده (أنه كان أول من نادى بمبدأ الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم، وذلك أن طائفة من المعتزلة وعلى رأسهم (إبراهيم النظام) أنكروا الإعجاز اللغوي في القرآن، فتصدي لهم الفراء بالرد، ونادى بأن لغة القرآن أفصح أساليب العربية على الإطلاق، وطفق يرد على المعتزلة من جهة، وعلى رواة الشعر وعلماء الأخبار من جهة أخرى، أولئك الذين لا يريدون أن يلتمسوا إعجاز القرآن في قوالبه اللغوية، بل يرون كمال الفصاحة في لغة عرب البادية، وأثبت لهم بما لا يدع مجالاً للش0ك بأن القرآن معجز بلفظه ومعناه، واعتمد في إثبات الإعجاز اللفظي على دعامتين قويتين، هما: موسيقي الفواصل، ونزول القرآن بأفصح اللغات (انظر ص 301 ـ 311) ثم انتهج منهج الفراء من جاء عبده من العلماء الذين يعتنقون مبدأ الإعجاز اللفظي إلى جانب الإعجاز المعنوي، وكان الفراء رائداً في هذا الميدان، كما هو رائد في كثير من الميادين.
ومن الريادة في الميدان الديني أن الفراء كان رائد الأشاعرة في اتخاذ مذهب وسط بين أهل السنة والاعتزال، وقد رجح الدكتور الأنصاري ذلك، كما وضح ملامح التشابه بين الرجلين والمذهبين، وأن الفرق بينهما إنما هو الفرق بين عصرين (انظر ص94).