/ صفحة 103 /
حسيب ولا رقيب، وما دروا أن عين التاريخ ساهرة لا تنام، وأن الله من ورائهم محيط.
ومن الجديد في هذا الكتاب: تكوين نظرية جديدة مؤداها أن أبا زكريا الفراء كان المؤسس الحقيقي للمدرسة البغدادية، بعد أن كان القدماء والمحدثون يزعمون أن الفراء لا يزيد على أنه قطب من أقطاب المدرسة الكوفية، وقد سلك المؤلف في إثبات هذه النظرية طريقاً منهجياً يعود بها إلى نشأتها الأولى، بل إلى نشأة المدارس النحوية على الإطلاق، وتساءل في وعي ودقة بالغة عن المدرسة ما هي? وهل كانت هناك مدارس نحوية? ثم من الذي أسس هذه المدارس? وما خصائص كل مدرسة?... ثم أجاب عن ذلك بالتفصيل، وتتبع تدرج المدرسة البغدادية، باحثاً عن جذورها الضاربة، وخيوطها الناحلة، منذ كانت لمحات مبعثرة هنا وهناك قبل أن تكون مدرسة بالمعنى العلمي لهذه الكلمة... وبعد أن جال جولة واسعة النطاق مع المستشرقين والعلماء العرب أثبت بالحجة الحاجة الناصعة لأول مرة في التاريخ أن أبا زكريا الفراء كان المؤسس الحقيقي للمدرسة البغدادية، انظر (ص 352 فما بعدها من الكتاب).
ومن الجديد ـ وكل ما في الكتاب جديد ـ أن المؤلف وضع منهجاً لغوياً ينافس أعظم المناهج في العصر الحديث، كما أنه كتب فصلاً عن تطور المصطلحات النحوية والمفاضلة بينها وربطها بالموسيقي الصوتية، كان جديداً غاية الجدة لم يسبقه إليه سابق من قبل 0ص 436) كما أنه بالبحث الدقيق العميق استطاع أن يكشف عن مبتكرات الفراء، فأثبت أن الفراء كان أول من نادى بمبدأ الإعجاز اللغوي في القرآن، وأنه كان أول من وضع الأصول النحوية، وأنه تفوق بهذا على سيبوية وأستاذه الخليل بن أحمد، وأنه كان أسبق في هذا من ابن السراج الذي اشتهر في عصرنا بأنه هو واضع الأصول (ص 301) وأن الفراء كان أول من تنبه إلى التشبيه بمعناه البلاغي، فكان أسبق من الجاحظ في ذلك، هذا إلى فائتات فاتت المعاجم اللغوية كلها حين الجمع وردت في كتب الفراء، ولم ترد في كتب اللغة، تحقق منها المؤلف وأثبت ذلك.
