/ صفحة 102 /
أبي زكريا الفراء، وإلا ضاع منه المجد، وفقد الشهرة، بل أنه يكون حتماً موضع اللائمة لعدم تجاوبه مع ولي النعمة من جهة، كما يكون موضع الزراية والسخرية من جهة أخرى، حيث يكون قد رد على نحو الشرق بنحو الشرق فلم يأت من مغربه بجديد، فما الفراء إلا من الكوفة، وما الكوفة إلا أخت البصرة، وكلتاهما من المشرق، ولا يليق ـ في نظره ـ شخصياً ولا سياسياً أن يظهر انتفاعه بمذهب الفراء أو بأي مذهب من الشرق.
ومن هذا وقفت على سر ذلك الموقف العجيب المريب، وأهم ما يعنيني هنا هو إثبات أن أبا زكريا الفراء قد سبق ابن مضاء إلى إلغاء نظرية العامل بعدة قرون، فكان المؤسس الحقيقي، والرائد الأول لتيسير النحو العربي.
أما إثبات ذلك بالأدلة القاطعة، والحجة الدامغة، فأقتضب الحديث عنه، وأحيلك إليه في الكتاب ابتداء من (ص423) إلى (ص 436).
وأما تيسير النحو العربي وطريقة إصلاحه فقد تناولها المؤلف في (ص519 فما بعدها) وذكر فيها طريقين للإصلاح: الإصلاح الكلي، والإصلاح الجزئي، ولنا عودة إليهما في مقال آخر إن شاء الله.
هذا وليست نظرية إلغاء العامل هي النظرية الوحيدة التي سرقت من هذا الرجل العبقري... بل هناك مسروقات أخرى أشار إليها المؤلف في مواضعها من الكتاب، مثل سرقة كتاب (الفصيح لثعلب) من كتاب (البهاء للفراء) انظر (ص 171) وكذلك موقت الإمام الطبري شيخ المفسرين حيث انتفع بآراء الفراء دون أن يشير إليها في قليل أو كثير، بل إنه تبناها وادعاها لنفسه في كثير من الأحايين، انظر (ص321) إلى غير هذا وذاك مما سماه المؤلف (سرقات أو هي أشبه).
ولعل السر في كثرة هذه السرقات وأشباهها يمكن في غموض الرجل وضياع معظم آثاره، واحتجاب ما تبقى من هذه الآثار، كل ذلك شجع بعض العلماء في القديم أن يسطوا على آراء الفراء في غفلة الزمان والإنسان، فنسبوها إلى أنفسهم دون