/ صفحة 101 /
ولست في هذا ممن يلقون القول على عواهنه، بل إنني استخرجت من كتاب (الرد على النحاة) طائفة من الآراء رددتها إلى منبعها الأصيل من آراء شيخ المجددين أبي زكريا الفراء.
وعجبت لابن مضاء كيف ينتفع بهذه الآراء دون أن يشير إلى مصدر هذا الإلهام، وحاولت أن أتعرف سر هذا الموقف العجيب المريب، وأخيراً وضعت يدي على (مفتاح السر)، فرأيته يتمثل في ناحيتين اثنتين، إحداهما شخصية، والأخرى سياسية:
أما الأولى فهي أن ابن مضاء ما هو إلا بشر كسائر البشر أراد أن يظهر بمظهر المجددين المبتكرين، فاختلس آراء الفراء دون أن يشير إلى صاحبها خشية أن يرمي بالتقليد، في عهد كان فيه التقليد وصمة عار بينهم، حتى ولو كان تقليداً للمذهب الأربعة في الفقه الشرعي، فما بالك بالنحو?.
وأما الناحية السياسية فهي أن الأمير الذي شمل ابن مضاء برعايته فولاه منصب قاضي القضاة في الدولة كلها كان ثائراً على المشرق، إذن كان ضالعاً في هذا مع الموحدين، وقد شهد ذلك العصر ثورة الموحدين على المذاهب الفقهية التي نبعت من الشرق، فنبذوها، وتمسكوا بظاهر الكتاب والسنة فحسب، وردوا فقه الشرق على الشرق).
فليس غريباً إذن ـ أن يساير ابن مضاء هذه الأجواء، بل الغريب أن يختلف مع هؤلاء، وعلى رأسهم ولي نعمته راعي هذه السياسة وحامي حماها، ولهذا أدلى بدلوه في الدلاء، فثار على الشرق أيضاً في زاوية من زواياه العلمية، وهي زاوية النحو، محققاً بذلك نوعاً من التجديد، إذ أن الثورة كانت متجهة إلى الفقه وفروعه، فهو بذلك جمع بين الهدفين: هدف المشاركة في الثورة من ناحية، وهدف التجديد الذي يليق بمنصبه الكبير من ناحية أخرى، ولو لا هذا النزوع إلى الظهور بمظهر التجديد لكان ميدان الفقه والشرع أنسب له ولمنصب القضاء، ولكنه حب الظهور!.
وليس من اليسير في هذه الأجواء أن ننتظر من ابن مضاء أن يعترف بفضل