/ صفحه 94/
3 ـ ومن أمثلة ما صالح المسلمون عليه أهل الذمة دون جزية ما أورده البلاذري في فتوح البلدان ص 158 ـ 160 حيث قال:((صالح أبو عبيدة بن الجراح أهل السامرة بالأردن وفلسطين وكانوا عيوناً للمسلمين على جزية رؤوسهم وأطعمهم أرضهم)).
وأصل ذلك سنة عمر بن الخطاب، حيث قرر أن من استعين به من غير الملة لا يدفع جزية، وروى ذلك الطبري في حوادث سنة 22 هـ، عن حادث ملك شهر براز الذي قال للأمير في وجهته:((أنا اليوم منكم، ويدي مع أيديكم... وبارك الله لنا ولكم، وجزيتنا إليكم النصر والعون والقيام بما تحبون)) فقبل منه ذلك.
وجاء في فتوح البلدان أيضاً: أن حبيب بن مسلمة الفهري غزا الجرجومة، فصالحه أهلها على أن يكونوا للمسلمين عيوناً ومسالح في جبال اللكام، وإذا دعوا للحرب مع المسلمين حاربوا على أن ينفلوا أسلاب من يقتلونه من أعداء المسلمين.
وهذا واضح في إمكان عقد صلح دائم بين السملين وغيرهم من الأديان الأخرى والبلاد المجاورة بغير جزية تفرض على رؤوسهم أو على أراضيهم مع بقائهم على دينهم ودولتهم ما داموا قد تعهدوا بمشاركة المسلمين الحرب ضد أعدائهم، ويشاركهم المسلمون الحرب ضد من يريد الاعتداء على أرض هؤلاء الحلفاء، ومعنى ذلك أن يكون لهؤلاء الذميين الحق في تجييش جيش والإنفاق عليه، وقد رضي المسلمون منهم ذلك لما آنسوا فيهم من وفاء وأمان وعدم احتمال الغدر، وهنا وقد انتفت علة أخذ الجزية منهم، فقد انتفى إلزامهم بها، ولو أن قوماً كهؤلاء أقاموا على عهدهم لم ينقضوه لبقيت شروطهم التي قبلها المسلمون قائمة.
ثم أليس هذا من قبيل المعاهدات المعروفة الآن بمعاهدات الصداقة الدائمة والتحالف العسكري بين دولتين مستقلتين، وبه تتعهد كل منهما بإنجاد حليفتها ضد أي اعتداء، إما لأجل محدود، أو لأجل غير محدود.
هكذا طور السلمون الأوائل الجزية حسب الظروف، وجعلوها تدور مع علتها وجوداً وعدماً، وكانوا أسبق أهل الأديان إلى احترام الأديان الأخرى والحريات